الوفاء والإخلاص بين المسلمين
الوفاء والإخلاص بين المسلمين
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان وزينه بالعقل وشرفه بالإيمان، أحمده سبحانه تعالى وأشكره أدبنا بالقرآن، وزيننا بزينة الايمان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا بالخير والإحسان، ونهانا عن الفسوق والعصيان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، المبعوث بالحق وحسن البيان، صلى الله عليه ما تعاقب الجديدان، وتتابع النيران وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد اعلموا أن من حقوق الأخوة في الإسلام هو الوفاء والإخلاص ومعنى الوفاء الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإن الحب إنما يراد للآخرة، فإن إنقطع قبل الموت حبط العمل وضاع السعي، وروي أنه صلى الله عليه وسلم أكرم عجوزا دخلت عليه فقيل له في ذلك فقال " إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن كرم العهد من الدين" ويقول الغزالي "
وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم، ويتردد كل يوم إليهم، ويمونهم من ماله، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه بل كانوا يرون منه ما لم يروا من أبيهم في حياتهم، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه ويسأل ويقول هل لكم زيت هل لكم ملح هل لكم حاجة، وكان يقوم بها حيث لا يعرفه أخوه، وبهذا تظهر الشفة والأخوة، فإذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه فلا خير فيها، وبالجملة فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجتك، أو أهم من حاجتك، وأن تكون متفقدا لأوقات الحاجة، غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك، وتغنيه عن السؤال وإظهار الحاجة إلى الاستعانة، بل تقوم بحاجته كأنك لا تدري أنك قمت بها، ولا ترى لنفسك حقا بسبب قيامك بها، بل تتقلد منة بقبوله سعيك في حقه.
وقيامك بأمره، ولا ينبغي أن تقتصر على قضاء الحاجة، بل تجتهد في البداية بالإكرام في الزيادة والإيثار، ومن آثار الوفاء هو ألا يتغير حال الأخ مع أخيه في التواضع وإن غرتفع شأنه، وكما أن من الوفاء ألا يتغير حال الأخ مع أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه، فالإنسان في الدنيا قد ينتقل من مكان إلى آخر، من منصب إلى آخر، من عمل إلى آخر، فإذا ارتفع شأنه فمن باب الوفاء مع إخوانه في الله ألا يبتعد عنهم، وألا يزور عنهم، وألا يرى نفسه فوقهم، فمن صفات الكرماء المؤمنين أنه هو هو مع إخوانه، ومن صفات المنقطعين عن الله عز وجل أنه إذا إرتفعت مكانته نسي إخوانه، فيكاد يكون الوفاء خلق المؤمن الأول، الوفاء لإخوانه، لمن كانوا معه ساعة العسرة، لمن كانوا معه في ساعة الشدة، ولا يتكبر على أخ إذا علت منزلته إلا لئيم، وأوصى بعض السلف ابنه.
فقال يا بني، لا تصحب من الناس إلا من إذا إفتقرت إليه قرب منك، وإذا استغنيت عنه لم يطمع فيك، وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك، وكما أن من حقوق الأخوة في الإسلام هو ألا توافق أخاك على شيء لا يرضي الله، فليس من الوفاء أن توافقه على معصية، وليس من الوفاء أن تعرف أن دخله حرام فلا تنصحه، وليس من الوفاء إذا ضيع فرض صلاة أن تسكت عنه، هذه خيانة، من وفائك لأخيك المؤمن أنه إذا انحرف أو أخطأ أو قصر أن تنبهه، وأن تذكره من دون أن يكون هذا أمام ملأ من الناس، لأن في هذا تشهيرا وليس في هذا نصيحة، وقال الأحنف الإخاء جوهرة رقيقة، إن لم تحرسها كانت معرضة للآفات، فاحرسها بالكظم حتى تعتذر إلى من ظلمك، وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل، ولا من أخيك التقصير، فاللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله.
ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، وحرّم على النار أجسادنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
التعليقات الأخيرة