حين انطفأ آخر ما كان ينبض في صدري
حين انطفأ آخر ما كان ينبض في صدري
بقلم نشأت البسيوني
لم أكن أظن أن للقلب لحظة يختار فيها النهاية بصمت كأنه يت من الترميم من الصبر من التحمل ومن أن يبقى واقفا على حافة الانهيار ينتظر ضمة أو كلمة أو يدا تعيده للحياة كنت أظن أن القلب مهما تكسر يعود ومهما خذل ينهض ومهما جرح يلتئم لكنني كنت مخطئا فهناك موت لا يرى يحدث في أعمق نقطة داخل الروح موت لا يسمعه أحد ولا يشعر به أحد إلا صاحبه الذي يختنق وهو صامت
تلك الليلة تحديدا شعرت بأن شيئا في داخلي يطفئ آخر شمعة ظلت تقاوم العتمة لم يكن وجعا عاديا ولا ضعفا ولا مجرد خذلان عابر كان إعلانا صريحا بأن القلب انتهى وأنه لم يعد قادرا على حمل أوزار الأحلام التي لم تتحقق ولا الذكريات التي طعنت أكثر مما منحت
مات القلب
نعم مات
ولم أجد له مكانا يدفن فيه سوى صدري نفسه
حفرت له قبرا من الصمت كأنني أدفن سري الأكبر وضعت فوقه حفنة من الكلمات التي لم تقل من الصرخات التي لم يسمعها أحد ومن الدموع التي جفت قبل أن تنزل وغطيته بتراب الكرامة لأن الكرامة وحدها هي ما بقي لي بعد أن فقدت أكثر ما كنت أملك
لم يكن موت القلب فاجعة بقدر ما كان يقظة كأنه يقول لي
كفى كفى ركضا خلف من لا يراك
كفى مهرا تدفع به مشاعرك لمن لا يستحقها
كفى أمانا تمنحه لوجوه لا تعرف معنى الوفاء
وفي لحظة دفنه اكتشفت أنني لم أفقده بل فقدت نفسي معه فقدت ذلك الجزء الذي كان يصدق الوعود ويثق بالكلمات ويصالح العالم رغم جراحه فقدت الطيبة التي لم تحفظني والتسامح الذي لم ينقذني والعطاء الذي لم يقدر يوما
منذ أن دفنت قلبي تغير كل شيء
صرت أرى العالم بعيون لم تعد تبحث عن الحنان بل عن الحقيقة
لم أعد أبحث عن دفء من أحد ولا عن يد تنتشلني ولا عن كلمة تعيد بناءي
تعلمت أن الانكسار ليس نهاية وأن الإنسان حين ينهض بلا قلب يشبه صخرة حاولت الأمطار تليينها ولم تستطع
أصبحت أقوى ولكن بطريقة موجعة
أهدأ ولكن بسكون يشبه الخواء
أكثر حكمة ولكن بحكمة اكتسبتها من الألم لا من الكتب
ومن بين كل ما مر أدركت شيئا واحدا
أن القلب حين يموت لا يعود
وإن عاد لا يعود كما كان
وإن نهض من قبره يعود مشوها ناقص الثقة ناقص القدرة على الحب ناقص الرغبة في التعلق
لكني رغم هذا لم أندم على شيء لم أندم على حب أعطيته ولا على صدق منحته ولا على روح فتحت لها أبواب حياتي لأن الذي يموت من أجل الحب مرة لا يخاف الموت بعدها
واليوم أمشي بلا قلب لكنني أمشي منتصبا
أمشي وفي صدري قبر صغير لكنه يذكرني بكل وجع عبر بي ولم يكسر ظهري
أمشي وأنا أعرف أن هناك موتا ينقذ أكثر مما يؤذي وأن ذبول القلب قد يكون أول خطوة نحو ولادة إنسان لا يخدع نفسه مرة أخرى
وهكذا
حتى وإن مات القلب ودفنته
فإنني ما زلت على قيد الحياة
والبقاء بعد هذا الموت
بطولة لا يعرفها إلا من عاشها
التعليقات الأخيرة