عندما أصبح قلبي مقبرة لا يزورها أحد
عندما أصبح قلبي مقبرة لا يزورها أحد
بقلم/نشأت البسيوني
هناك لحظات في الحياة تشبه صمت القبور لحظات يتوقف فيها كل شيء إلا الألم
لحظات تشعر فيها أن كل ما كان ينبض داخلك قد تجمد وأن قلبك قد أصبح قطعة حجرية لا تحمل سوى ذكرى جرح قديم لم يشفى ولم يجد من يزوره إلا صدى صوته في صدرك وحدك
كنت أظن أن القلب يستطيع الصمود أن يتحمل كل الصدمات كل الخذلان كل الكلمات التي تمزق الداخل دون أن تمس الخارج كنت أظن أنه قادر على الحب بلا حدود على العطاء بلا حساب على التسامح بلا نهاية حتى جاء اليوم الذي اكتشفت فيه الحقيقة أن القلب ينهار وأن الموت أحيانا يبدأ من الداخل بصمت قاتل قبل أن
يعلن نفسه
مات قلبي
مات بلا صراخ بلا دموع بلا وداع
مات في صمت شديد كمن يغرق تحت مياه صافية لا تراها عين كمن يدفن تحت التراب بينما الجميع يظن أنه لا يزال حيا
حملته بداخلي أحمله كطفلٍ رحل عن العالم أحمله في كل خطوة في كل نفس في كل نظرة
كان ثقيلا ليس لوزنه بل لوجعه الذي امتد داخلي الذي ملأ روحي الذي جعلني أشعر بأنني أنا الآخر قد مات معه
حفرته بيدي دفنته في أعمق زاوية في نفسي وغطّيت قبري هذا بالصمت حتى لا يقترب منه أحد حتى لا يلمسه أحد لأن كل من اقترب يوما من قلبي كان سببا في موته
ومنذ ذلك اليوم تغيرت كل الأشياء
لم أعد أضحك بسهولة ولم أعد أبكي بسهولة ولم أعد أحب بسهولة
حتى الكلمات التي كانت تملأ قلبي دفئا أصبحت بلا معنى
حتى الذكريات التي كانت تمنحني ابتسامة أصبحت ثقلا على صدري
لكني رغم كل هذا لم أمت
لقد دفنت قلبي لكنه منحني شيئا آخر قوة صامتة هدوءا مرهقا وضبطا لنفسي لم أعرفه من قبل
أصبحت أمشي في الحياة بلا قلب لكنني أمشي منتصبا
أعرف الآن من يستحق ومن لا يستحق ومن يرحل دون أن يترك أثرًا حقيقيا
القلوب تموت والوجوه تذهب والأيام تتبدل لكن الإنسان حين يمشي فوق رماد قلبه حين يعيش بعد دفنه يصبح أعظم مما كان
تصبح روحه أوسع من كل الألم أعمق من كل الخذلان وأقوى من كل جرح
ويصبح كل شيء صغيرا إلا صمته إلا قوته إلا حقيقته التي اكتشفها بعد موت قلبه
وهكذا
دفنت قلبي لكنه ظل معي دائما كدرس لا ينسى كجسرٍ يربطني
بالحياة رغم كل الانكسار رغم كل الألم رغم كل الغياب
ورغم أنه مات أنا ما زلت حيا أقوى أهدأ وأكثر وضوحا وأكثر وعيا بما يستحق أن يعيش بداخلي
التعليقات الأخيرة