news-details
مقالات

رجل يحمل على كتفه حبا مات وحياة لا تناسب قلبه

رجل يحمل على كتفه حبا مات وحياة لا تناسب قلبه


بقلم/نشأت البسيوني 

كان يمشي في الشوارع كأنه يتفادى شيئا لا يراه الناس كأن هناك ظلا يسير خلفه يضع يده على كتفه من حين لآخر ليقول له أنا لسه هنا لسه معاك ذلك الظل لم يكن سوى ذكرى امرأة أحبها حتى صارت جزءا من طريقة تنفسه ثم رحلت فجأة فأصبح يتنفس ناقصا منذ ذلك اليوم لم يكن رجلا ضعيفا ولا قليل التجربة لكنه فقد شيئا لم يعرف كيف يستعيده راحته كل شيء في الدنيا يمكن 

أن يعوض إلا الراحة التي تأتي من حب واحد حب لا يتكرر حب يشبه نافذة تدخل منها الحياة كما لو كانت هدية من السماء الفقد الذي لا يبدأ ولا ينتهي حين ماتت لم تبك عيناه فورا كان الأمر أكبر من الدموع أكبر حتى من القدرة على التعبير كان يشعر أن قلبه سقط من مكان مرتفع لكنه لم يسمع صوت الارتطام كأن الألم وقع في مكان لا يسمعه البشر كان يعرف أن الموت يغير شكل الحياة 

لكن لم يعرف أنه قد يغير شكل الإنسان من الداخل يجعله يعيش بنصف روح ويستيقظ بنصف وعي ويضحك بنصف ابتسامة ما بعد موت الأحبة لا يشبه ما قبلهم في أي شيء امرأة جديدة قلب متجمد بعد سنوات دخلت حياته امرأة أخرى كانت مختلفة تأتي إليه بخوف عليه لا يعرف سببه تسأله أكثر مما يسأل نفسه وتحاول أن تمسك روحه كما لو كانت تعرف أنها مشقوقة من المنتصف كانت 

جميلة بما يكفي ليبدأ معها وصادقة بما يكفي ليصدقها وقريبة بما يكفي ليطمئن لكنه مع ذلك لم يرتح كان يرتبك كلما اقتربت ويهرب كلما أحبته أكثر لم يكن يهرب منها كان يهرب من عجزه أمامها
من تلك المساحة الفارغة في صدره التي لا تملك هي ولا غيرها القدرة على ملئها المشكلة ليست فيها ولا في الحاضر هو يعرف هي تعرف لكن لا أحد يجرؤ أن يقول أنا مش موجود بالكامل هو يحبها 

لكن حبه لها يأتي مرهقا مترددا نصف حب نصف محاولة هي لا تستحق نصفا لكن هو لم يعد يملك الكل كيف يعطيها ما لم يعد موجودا كيف يكون لها رجلا كاملا وهو لم يعد رجلا كاملا لنفسه صراع داخلي أقسى من الفقد نفسه في داخله معركة لا يراها أحد
معركة بين ذاكرة لا تستسلم وقلب يريد أن يعود للحياة وروح واقفة على عتبة الماضي لا ترغب في الدخول إلى الغد هو لا يريد 

أن يظلم الراحلة بنسيانها ولا يريد أن يظلم الحاضرة بإهمالها ولا يريد أن يظلم نفسه بالمقارنة المستمرة لكنه عالق والعلق أصعب من الفقد لأن الفقد يوجع لكن العلق يمزق الليل الذي يفضحه في النهار يحاول يحاول أن يبدو طبيعيا أن يتكلم أن يبتسم أن يعيش لكن الليل الليل يعرف كل شيء يعرف أنه حين يضع رأسه على الوسادة يغمض عينيه على صورتين امرأة رحلت وامرأة تريده الآن يعرف 

أنه حين يطفئ الضوء يشتعل داخله حريق لا يراه أحد يعرف أنه يعيش بين ذاكرة وواقع ولا ينتمي لأي منهما لماذا لا يشعر بالراحة معها لأن الراحة ليست فعلا ليست هدية يقدمها أحد ليست كلمة ولا حضن ولا وعد الراحة هي شيء يولد في القلب وحده يشبه الماء الذي يجري من تلقاء نفسه والقلب الذي سكب فيه الحزن حتى امتلأ لا يجد مكانا للراحة بسهولة ولأن المرأة الأولى لم تكن مجرد 

حب كانت موطنه والموطن حين يهدم يحتاج وقتا طويلا ليعاد بناؤه وربما لا يعاد بين الذنب والحاجة هو يشعر بالذنب تجاه الاثنتين يخاف أن يكون خائنا للراحلة ويخاف أن يكون ظالما للحاضرة يخاف أن يبقى وحيدا ويخاف أن يدخل علاقة بقلب مكسور يحتاج حبا جديدا لكن أيضا يحتاج زمنا لم يحصل عليه وهذا ما لا يفهمه الناس أن القلب ليس آلة ولا يشفى بالضغط على 

زر ولا يتجاوز بأوامر القلب يحتاج أن يسامح نفسه قبل أن يحب غيره الحقيقة التي يخاف اعترافها الحقيقة التي يخشاها الحقيقة التي يخاف أن ينطقها هي ببساطة أنا لسه بعيش مع واحدة ماتت ولسه مش قادر أعيش مع واحدة عايشة ليس لأنه لا يحب الحاضرة ولا لأنه لم يتجاوز الراحلة بل لأنه في المنتصف والمنتصف مكان لا يصلح للراحة هل سينجح ربما ينجح يوما وربما 

لا ربما يستيقظ فجأة ويشعر أن قلبه عاد وربما يظل سنوات يبحث عن نفسه ربما تستطيع الحاضرة أن تفتح له بابا جديدا وربما يبقى واقفا عند باب قديم لا يفتح لكن الشيء الوحيد الأكيد أن هذا الرجل ليس سيئا ولا مخادعا ولا مستغلا بل موجوع فقط موجوع النهاية التي لا تغلق القصة هذه ليست نهاية هذه حياة والحياة لا تنتهي بنقطة تنتهي حين يقرر القلب أن يختار أو حين يتوقف عن القدرة على الاختيار لكن حتى ذلك الحين يكفي أن نقول هو رجل يحمل على كتفه حبا مات وفي قلبه حبا يحاول أن يولد وفي روحه فراغا لا يملؤه إلا الزمن وربما فقط ربما يأتي يوم يجد فيه راحته أين مع من لا يعرف لكنه يتمنى ويتوجع ويحاول

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا