نعمة العافية والرزق الطيب
نعمة العافية والرزق الطيب
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد إن من أفضل النعم التي ينالها العبد بعد الدين والعافية هو الرزق الطيب، والمال الحلال، وتعظم البركة إذا خلا هذا المال من الشبهة والرّيبة، وكان مصدره حلالا، ولذا يتعجب البعض منا عندما يرى ذلك الموظف البسيط أو العامل الذي يفني يومه منهمكا في شغله وراتبه محدود، وقد لا يكفيه أسبوعا واحدا، لكن مع البركة تجد أنه ينفق منه على بيته وأسرته وضيوفه، ويبقى منه حتى آخر الشهر، بينما ترى ذلك الموظف الذي يتقاضى أضعاف ما يتقاضاه صاحبنا الأول، ولكن لا يكاد ينتهي أسبوعان أو ثلاثة، إلا وهو يستدين بعد أن فنى راتبه في أيام معدودة، فإنها البركة يا عباد الله.
واعلموا أن مما يمحق البركة هو الذنوب والمعاصي، حيث قال الإمام ابن القيم رحمه الله " ومن عقوبة المعاصي أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة، وبالجملة إنها تمحق بركة الدين والدنيا، فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق، ومنها أيها المسلمون هو أكل المال الحرام بشتى صوره وجميع أنواعه، ومن ذلك الرشوة فهي تمحق البركة، وتتلف المال، وتعود على المال وصاحبه بالقلة والمحق والزوال، ومهما تحصل من الأموال، فإنها لا تكفيه ولا تقنعه، بل يظل يطارد المال الحرام، ولا يرى بركته، حتى يفجأه الموت على تلك الحال، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم " فمن يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالا بغير حقه، فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع"
والرشوة آفة قديمة حديثة يكاد لا يخلو أي مجتمع منها، وهي نوع من أنواع الفساد، وهي قيام شخص بدفع مبلغ من المال لموظف ما من أجل الحصول على حق ليس له، أو بهدف التهرب من واجب عليه القيام به، فهي طريقة غير مشروعة لكسب المال بإستغلال المنصب أو المركز أو المكانة الإجتماعية، وقد عرّفها الجرجاني رحمه الله بقوله "ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل" والرشوة تعد من أسباب غضب الله تعالى، والخسران والهلاك في الدنيا والآخرة، وقد عرّض صاحبها نفسه للعنة الله ورسوله، فقد جاء في الحديث " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم" والرشوة محرّمة في الإسلام، وقد ورد تحريمها في القرآن الكريم والسنة النبوية، وعلى ذلك إجماع المسلمين أيضا، كما أنها تعد كبيرة من الكبائر، ومن أكل منها، فقد أكل سحتا.
وإستعمل مالا حراما يؤثر على دينه، وخلقه، وسلوكه، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش أي الساعي بينهما، كما أن أكل الحرام من الرشوة وغيرها يمنع من إستجابة الدعاء "دعوت دعوت ولم يستجب لي" وكيف يستجاب له وأنى يستجاب له؟ "ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذي بالحرام" نعوذ بالله من حالهم، ولهذا كانت الرشوة سببا من أسباب الظلم لما فيها من غش وتدليس، وتفريط في العمل، وتعطيل لمصالح المستحقين، وحرمان لأهل الحق ولذا فإن المجتمع الذي تنتشر فيه الرشوة، ينتشر فيه الفساد المالي والإداري، وتضيع فيه حقوق الناس، ويعطى فيه الفاشل ما لا يستحق، ويردّ الكفء عن حقه ومكانه، وليس شرطا أن تكون الرشوة مالا، فقد تكون واسطة ومصالح مشتركة بين الراشي والمرتشي، كتوظيف من لا يستحق.
بسبب شهادته المتدنية، أو خبرته القليلة، أو عدم صلاحيته لهذا المكان، ورد الكفء لهذه الوظيفة، وقد تكون في تعطيل مصالح الناس، والتأخر في تنفيذها، وترديد المراجعين، وإعطاء المواعيد البعيدة، بينما يتم خدمة الراشي بطريقة أسهل وأسرع، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.
التعليقات الأخيرة