news-details
مقالات

الجنس في البيئات الاجتماعية الفقيرة ناجي الغزي " جريده الأضواء المصريه "

*الجنس في البيئات الاجتماعية الفقيرة*

ناجي الغزي

في المجتمعات الفقيرة، لا يظهر الجنس كخيار حر أو فعل حميمي نابع من رغبة ناضجة، بل يتحول غالباً إلى المتنفّس الوحيد المتاح أمام إنسان محاصر من كل الجهات. فعندما تُغلق الحياة أبوابها، وتضيق الخيارات حتى تنكمش إلى حدّ الاختناق، يصبح الجسد آخر مساحة يمارس فيها الفقير حقه في الشعور بأنه ما زال موجوداً. ولهذا تحديداً تتكاثر الولادات في البيئات المنكوبة اقتصادياً؛ فالعلاقة الحميمية تتحول، دون وعي، إلى وسيلة للهروب من واقع لا يقدّم للإنسان شيئاً سوى الملل والقهر.
في مثل هذه البيئات، تنسحب الثقافة من حياتهم، ويتراجع حضور التعليم، ويتلاشى الوعي الصحي، بينما تنشغل السياسة في حروب السلطة وتوازنات النفوذ. ومع هذا التراجع، ينمو شعور عميق بالعجز لدى الفرد؛ عجز يحاول تعويضه بفعل سريع ومتاح لا يحتاج إلى موارد ولا تخطيط، وهو العلاقة الجنسية. يبدو الأمر في ظاهره ترفيهاً أو حاجة فطرية، لكنه في جوهره محاولة بدائية لاستعادة بعض السيطرة على الذات، في عالم سلب منه كل أشكال السيطرة الأخرى.
علم النفس يفسّر هذا السلوك بما يعرف بنظرية "التعويض"، حيث يلجأ الإنسان المقهور إلى فعل يمنحه شعوراً مؤقتاً بالقوة، حتى وإن كان فعلاً غريزياً أو متاحاً بلا جهد. وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة: فالفقير لا يمارس الجنس لأنه يعيش حرية جسدية، بل لأنه لا يملك أي وسيلة أخرى للتعبير عن ذاته أو كسر رتابة حياته. إنه يحاول، دون إدراك، أن يصنع لحظة حياة داخل حياة متآكلة.
لكن الجانب الأكثر قسوة في هذه المعادلة هو أن نتائج هذا الفعل، أي الأطفال لا يولدون كمشاريع أمل لمستقبل أفضل، بل كدلائل إضافية على عمق الفقر وانسداد الأفق. فطفل يأتي في ظل غياب التخطيط وضعف الوعي وغياب الدعم الاجتماعي، يتحول منذ لحظته الأولى إلى شاهد على مأساة أكبر منه، ويجد نفسه محكوماً بسلسلة من الإخفاقات التي لم يشارك يوماً في صنعها.
المشكلة لا تتعلق بالأفراد بقدر ما هي انعكاس لترتيبات اجتماعية واقتصادية مختلّة. فحين يفشل الاقتصاد في خلق فرص العمل، وتفشل الدولة في توفير التعليم والرعاية الصحية، وتتراجع الثقافة عن دورها في بناء وعي نقدي ومسؤول، يصبح الجسد هو الملاذ الأخير، وتتحول العلاقة الجنسية إلى عملية تعويضية أكثر منها علاقة إنسانية. وهكذا يستمر الفقر في إنتاج نفسه عبر دائرة مغلقة، يكون فيها التكاثر استجابة للهروب أكثر من كونه تعبيراً عن الرغبة أو الحب.
إن معالجة الظاهرة لا تتم عبر إلقاء اللوم على الفقراء، بل عبر إصلاح البنية التي جعلتهم أسرى لفعل واحد، يظن البعض أنه مجاني، بينما تكلفته على المجتمع باهظة. فكل طفل يولد في بيئة غير مهيأة هو قصة جديدة تضاف إلى سجل الفقر، ودليل على أن المشكلة أكبر من أجساد تُلتقي، بل في أنظمة ترفض أن تتغير.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا