news-details
مقالات

المال حين يشتري الإرادة… 

المال حين يشتري الإرادة… 


بقلم خالد البنا 

قراءة سياسية في ظاهرة شراء الأصوات

في كل أمة لحظات تكشف معدنها، وتبرز ما خفي في طيات مجتمعها، ولعلّ ما جرى في الانتخابات الأخيرة كان لحظة كهذه؛ لحظة تنزع الأقنعة، وتضعنا وجهًا لوجه أمام سؤال كبير:
هل ما زال للصوت قيمة… أم أصبح سلعة تُشترى وتُباع؟

لقد بدت ظاهرة شراء الأصوات هذا العام أشبه بمدٍّ جارف لا يخجل ولا يتخفى؛ مشاهد المال السائب، والوعود السريعة، والانتقال من لجنة إلى لجنة على وقع أوراق نقدية تُقلب بين الأصابع كأنها مفاتيح المستقبل.
فمنذ متى كانت الديمقراطية تُبسط على الطاولة في صورة رزم مالية؟
ومنذ متى أصبح صوت المواطن أرخص من يوم عمل، وأقل قيمة من معونة زائلة؟

١. حين يتحول المواطن إلى وسيلة لا غاية

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس المال نفسه، بل فلسفتها؛
فهي تنزع عن المواطن إنسانيته، وتعيده إلى مرحلة يكون فيها مجرد وسيلة تُستخدم للوصول إلى مقعد، لا غاية تُبذل الجهود لخدمتها.

إن شراء الأصوات ليس مجرد فساد انتخابي، بل فساد للمعنى… للإنسان نفسه.

٢. الفقر كأداة سياسية

لقد أدرك السماسرة – وهم يعلمون أو لا يعلمون – أن الفقر حين يشتد يُضعف المناعة الأخلاقية، وأن الجيب الخالي قد يضغط على الضمير حتى يتنفس بصعوبة.
لكن من العار أن تتحول هشاشة الناس إلى سوق، وحاجتهم إلى باب يُدخَل منه إلى البرلمان.

الفقر لا يُدان،
لكن استغلال الفقر… هو الجريمة التي يجب أن تقف عندها الدول وقفة مسؤولة.

٣. ضياع الفكرة النبيلة للانتخاب

كانت الانتخابات يومًا طقسًا مدنيًا جليلًا؛ يُعلن فيه المواطن أنه شريك في الوطن، وأن رأيه هو جسر العبور للمستقبل.
أما اليوم، فقد غاب هذا المعنى حتى كاد يتلاشى، وصارت الانتخابات عند البعض مباراة أموال لا مباراة أفكار.

وهنا يحق لنا أن نسأل:
كيف تُبنى دولة بالرشى؟
وكيف نحلم بمستقبل رشيد، وقد تلوث الأساس قبل أن يُبنى الجدار؟

٤. خرائط النفوذ بدل خرائط الوعي

تقدم المال في هذه الانتخابات لم يكن عشوائيًا، بل كان منظمًا كأنه جيش يتحرك وفق خرائط مُعدة؛
دوائر محددة، أحياء مستهدفة، لجان مرصودة…
كأن الوطن أصبح طاولة شطرنج، تتحرك فوقها الأموال لا المبادئ.

إن الديمقراطية تُهزم حين ترجح كفة النفوذ على كفة الوعي،
ويُهزم المجتمع حين يرى المال يقرر مصيره ثم يصمت متعبًا.

٥. الدولة حين ترى… ثم تسكت

ليس خافيًا أن أجهزة الدولة رأت ما رأى الناس، بل رأته أوضح، لكن الصمت كان سيّد الموقف.
والصمت هنا لا يحمي الوطن، بل يترك جرحًا يتسع… جرح فقدان الثقة.

في الدول الراسخة، تُعالج هذه الظواهر بقوانين صارمة، وآليات رقابة حقيقية، وإجراءات تحمي إرادة الناس من الفساد.
أما الاكتفاء بالمشاهدة، فهو إعلان ضمني أن الوطن يُدار بلا حماية كافية لضميره العام.

٦. حين يفقد المواطن ثقته…

وهنا أصل الجرح:
إن أخطر ما أصاب الانتخابات الأخيرة ليس المال، بل فقدان الثقة.

المواطن الذي شاهد بأمّ عينيه كيف تُشترى الأصوات، وكيف تتحول اللجان إلى ساحات نفوذ، فقد إيمانه بأن للصندوق معنى.
صار يرى المشاركة عبثًا، وصوته بلا وزن، وحقه غير مصان.

والثقة حين تضيع، لا يعود الصندوق صندوقًا، بل مجرد طقس بلا روح
تؤدى فيه إجراءات شكلية بينما المستقبل يُحسم في أماكن أخرى.

إن دولة بلا ثقة مواطنيها تسير على أرض رخوة،
ولا تُستعاد الثقة إلا حين يحسّ المواطن أن صوته محترم لا مُساوَم عليه، وأن العملية الانتخابية ليست سوقًا بل حقًا منحه الدستور وضمنته الدولة.

٧. نحو وطن لا تُباع فيه الإرادة

لا مَخرج من هذا النفق إلا بإعادة الاعتبار للإنسان… قبل السياسة.
فالانتخابات ليست أوراقًا تُفرز، بل ضمائر تُستنهض.
وليست مقاعد تُملأ، بل مسؤولية تُحمَل.

إن مواجهة شراء الأصوات ليست معركة تقنية، بل معركة قيمة؛
قيمة الوطن، وقيمة الإنسان، وقيمة الإرادة الحرة التي لا تُشترى.

وحين تستعيد الدولة احترامها لصوت المواطن، يستعيد المواطن احترامه لصندوق الدولة.
فلا تصحيح بلا ثقة، ولا ثقة بلا عدالة، ولا عدالة بلا إرادة تحمي المواطن من أن يكون سلعة في سوق السياسة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا