إبن عمر يضبط نفسه ويلجم لسانه
إبن عمر يضبط نفسه ويلجم لسانه
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي جعل حب الوطن أمرا فطريا والصلاة والسلام على من ارسله الله تعالى رسولا ونبيا وعلى آله وصحابته والتابعين لهم في كل زمان ومكان، أما بعد لقد تكلم النبي المصطفي صلي الله عليه وسلم عن الشجرة التي من صفتها أنها لا يسقط ورقها وقد عرف الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الإجابة وظن أنها النخلة، ولكنه ضبط نفسه وألجم لسانه، وأسرها في نفسه ولم يبدها لهم أدبا منه، حيث قال " فوقع في نفسي أنها النخلة فكرهت أن أتكلم وثم أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، لأن هناك في المجلس أبو بكر أفضل صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، من جهة وأبوه وهو أكبر منه علما وسنا فكيف يتكلم؟ وقال ابن عمر فلما لم يتكلما قال النبي صلى الله عليه وسلم "هي النخلة" وقال بن عمر "فلما خرجت مع أبي قلت يا أبت وقع في نفسي النخلة"
فأصاب أباه شيء من الحزن والأسى وعبر عن ذلك ابن عمر بقوله " ما منعك أن تقولها، لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا، يعني مما يحبه الناس من المال والجاه وغير ذلك، والعقل لو أنه صرح بأنها النخلة لأنه سوف يظهر أمام الصحابة بأنه كبير ولكن قد أكد ابن عمر رضي الله عنهما السبب الذي منعه من أن يتحدث بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليه حيث فهم كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يفهمه الصحابة بعد، فقال متأدبا ومعتذرا في آن واحد لأبيه " ما منعني إلا لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت" وهذا الحديث كله ترجم به المصنف لهذا الباب "باب إذا لم يتكلم الكبير هل للأصغر أن يتكلم؟" هكذا فقه البخاري يترجم عن الحديث بباب يتساءل فيه هل له أن يتكلم؟ وهنا ما بيعطيك الجواب، لأنه يريد من طالب العلم أن يستنبط الجواب بنفسه من مدارسته.
وتفقهه في هذا الحديث الذي أورده تحت الباب، ويقول قد يتبادر لأذهان بعض الناس أن الجواب لا، لأن ابن عمر ما تكلم ولو كان يرى أن الكلام جائز له لفعل، لكن الصحيح أن الجواب أن له أن يجيب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما وجه الخطاب بقوله أخبروني عن شجرة مثلها كذا وكذا ما خص أبا بكر ولا عمر ولا غيرهما من كبار الصحابة، وإنما وجه خطابا عاما للجميع، فلما لم يبادر كبار الصحابة إلى الإجابة عن هذا السؤال فحينئذ يأتي دور صغارهم أمثال عبد االله بن عمر، فلا مانع هنا بعد ذاك أن يبادر إلى الجواب عن هذا السؤال، فالوجه الأول هو أن السؤال كان موجها للجميع فلما لم يتكلم الكبير كان لزاما على الصغير أن يجيب لأنه من جملة الحاضرين الموجه لهم الخطاب، والوجه الثاني هو أن أباه عمر رضي الله عنه قد تمني لو كان عبد الله أجاب بقوله.
" قال لو تكلمت لكان أحب إلي من كذا وكذا" وهذا صريح في جواز إجابة الصغير في حضور الكبار علما أو سنا، وإذن نستلخص من هذا الدرس أدبين اثنين الأدب الأول أنه إذا كان هناك مجلس وخصوصا إذا كان له خطورته وهناك كبار في العلم وفي السن، فمن أدب الصغار أن لا يتقدموا بالكلام بين يدي الكبار والأدب الآخر أنه إذا عجز الكبير أن يتكلم بما يناسب الموضوع فهناك ينبغي على الصغير أن يثبت نفسه وشخصيته وعلمه لأن القضية ليست قضية السن فقط، فكثيرا ما يكون الأمر على العكس من ذلك لكن القاعدة هو مراعاة الأكبر، فالأكبر فإذا لم يتكلم الكبير فعلى الصغير أن يتكلم كما أوحى بذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنه " لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا" من آفات بعض الطلاب المبادرة بالجواب، والفتح على المعلم دون طلب منه.
أو سؤال مجالس العلم، تلك الحلق التي تحفها الملائكة وتغمرها الرحمة، ويثني الله تعالى على ما يذكر فيها أعظم الكلام وأطيب، حضارها ويذكرهم فيمن عنده من الملاء الأعلى، ولأجل ذلك يستوجب، وتكون هذه الثلة حسن السمت عندها وسكون الأبدان والأصوات فيها المباركة أسوة حسنة لمن اقتفى آثارهم من طلبة العلم، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البينات والحكمة، أقول ما تقرءون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فإستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
التعليقات الأخيرة