تَبَدُّل الجلود والوفاء بالعهد: حكايات المقاومة النقية واستمرارية الرفض العراقي
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
في سجل الذاكرة العراقية، تستحيل التضحية إلى عهد إلهي يتوارثه الأبناء عن الآباء، في فصول مقاومة شعبية تجاوزت بإخلاصها كل أطر التنظيم. فما زالت أصداء معارك مدينة الصدر العنيفة، التي دارت رحاها في الأشهر الأولى للاحتلال، تروي قصة البسالة العفوية؛ حيث كان القتال ينبع من عقيدة الرفض الذاتي، لا من أوامر رسمية. وأبهظُ مشهدٍ ظل عالقاً في الوجدان هو ذاك الشاب الذي أقدم على العبور تحت نيران القناصة، حاملاً سلاحه الفردي لاستهداف مدرعة المحتل، ليُغادر الحياة ببطولة خالصة. ولم تكتمل رمزية المشهد إلا بوقوف والده، مرتدياً الزي العربي، أمام الجثمان، حيث لم يكن حزنه على الفقد بقدر حسرته على فوات فرصة السبق إلى العهد الذي تعاهدت عليه الأسرة: التنافس على نيل الشهادة لوجه الله والوطن.
إن هذا النقاء المطلق كان هو السمة المميزة لتلك المرحلة؛ فقد خاض هؤلاء الشباب والآباء معاركهم بأسلحة بسيطة اشتروها من قوتهم اليومي، رافضين الاحتلال. وتجلّت هذه الروح ذاتها في المجر الكبير بمحافظة ميسان، حين تمكن الأهالي من إسقاط طائرة أباتشي بريطانية، وفرضوا سيطرتهم على الأرض، مما كشف عن المفارقة بظهور وسطاء من كانوا بالأمس يقاومون النظام السابق ليصبحوا اليوم مُسهِّلين للمحتل، في دلالة على بدء مرحلة تَبَدُّل الجلود وتغير البوصلة الأخلاقية. هذا الصراع وصل صداه مبكراً في عام 2004 إلى أروقة مجلس الحكم الانتقالي، حيث جسدته السيدة الشجاعة سلامة الخفاجي. ففي محاولتها الدفاع عن المقاومة أمام أعلى سلطة، قوبلت بالرفض الصارخ من رجل دين معمم كان يترأس الجلسة، حيث طُلب منها السكوت بقوله: "اسكتي سلمك الله يا سلامة"، في محاولة مكشوفة لإسكات صوت الرفض الوطني النقي.
لكن هذه القصص هي جزء يسير من جوهر الرفض العراقي الذي لم يتوقف قط. إن الروح المقاومة التي حاربت الاحتلال لم تندثر، بل تحولت لتواجه تحديات جديدة. فبعد انتهاء المعارك المسلحة، استمرت روح المقاومة في شكلها المدني، لتواجه القمع والفساد الذي نخر مؤسسات الدولة. وصولاً إلى يومنا هذا، تتجسد تضحيات الأمس في التظاهرات والاعتصامات الشعبية المستمرة، التي تعبر عن ذات النقاء والتمسك بالمبدأ. لقد تحول الكفاح من الدفاع عن الأرض ضد المحتل إلى الدفاع عن كرامة المواطن ضد الفساد والاستبداد الداخلي. ورغم كل هذه التضحيات المتواصلة، تستمر مأساة غياب الأذان الصاغية، ليبقى صوت الشعب الرافض يصدح بقوة، مذكراً بضرورة التمسك بالإخلاص الذي جسده العهد على الشهادة، وبأهمية التمييز بين القتال لأجل المبدأ والقتال لأجل المصلحة، في مسيرة وطن يبحث عن ذاته الضائعة.
التعليقات الأخيرة