عمرانٌ بضماناتِ الائتمان: قراءةٌ في مديونيةِ الإعمارِ ولغزِ الإيراداتِ الضائعة
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
يواجه الاقتصاد العراقي مع خواتيم عام ألفين وخمسة وعشرين استحقاقاً مصيرياً يضع شعارات "التنمية والإعمار" على محك المصداقية والشفافية، إذ تكشف البيانات الصادرة عن أرباب العمل ومنفذي المشاريع الخدمية في القطاع الخاص عن فجوة تمويلية هائلة تتجاوز ثلاثين تريليون دينار عراقي، وهي مستحقات واجبة الدفع لمشاريع أُنجزت بالكامل وأضحت واقعاً ملموساً يستفيد منه المواطن العراقي. إن هذه المفارقة الرقمية تثير تساؤلات مشروعة حول كفاءة الإدارة المالية للدولة؛ فكيف يمكن لحكومة استلمت خزينةً معززة بفوائض نقدية ناهزت مائة وخمسة عشر مليار دولار، وأدارت موازنات ثلاثية انفجارية، أن تقف اليوم عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه الشركات الوطنية؟ وما يثير الريبة في هذا التعثر المالي هو تزامنه مع نهج حكومي غير مسبوق في تشديد الجبايات وفرض الضرائب التصاعدية على المواطن العراقي، والتي رفدت الخزينة بتريليونات الدنانير عبر مؤسسات الداخلية والأمانة والبلديات والمنافذ الحدودية، دون أن يلمس المستحقون أثراً لهذه الوفرة في تسديد التزامات الدولة. إن علامات الاستفهام تتسع حين نلتفت إلى الموارد النفطية الداخلية، حيث تستهلك مصانع التكرير الوطنية قرابة مليون برميل نفط يومياً، تُطرح منتجاتها في السوق المحلية بإيرادات ضخمة لا تقل تقديراتها عن خمسة وستين مليار دولار سنوياً، وهي مبالغ سيادية كان من المفترض أن تُشكل ركيزةً لسداد مستحقات الإعمار ودعم الموازنة الاستثمارية بعيداً عن تقلبات أسعار النفط العالمية. إن هذا التناقض الصارخ بين تضخم الإيرادات الجبائية والنفطية وبين عجز الدولة عن سداد ثلاثين تريليون دينار للمقاولين، يعكس خللاً جسيماً في إدارة الثروات وتوجيهها، حيث يبدو أن هذه التدفقات المالية الهائلة قد استُنزفت في تمويل نفقات تشغيلية استهلاكية أو ضاعت في دهاليز نفقات الرئاسات الثلاث وإيفاداتها التي شهدت زيادات مطردة، بدلاً من أن تذهب لتبرئة ذمة الحكومة أمام مَن شيدوا بنيتها التحتية. إن استضعاف المقاول الوطني وتأخير حقوقه، رغم كل هذه الموارد غير النفطية والجبايات التي أثقلت كاهل المواطن، لا يمثل ضربة لثقة المستثمر المحلي فحسب، بل هو تقويض ممنهج لركائز التنمية، إذ إن تعطيل مستحقات الشركات يعني شللاً في الدورة الاقتصادية وتسريحاً لآلاف الأيدي العاملة. إن المسؤولية التاريخية تحتم على صاحب القرار السياسي، وهو يسعى لترسيخ شرعيته عبر الإنجاز الميداني، أن يدرك بأن الإعمار الحقيقي لا يكتمل بافتتاح المشاريع أمام الكاميرات فحسب، بل بضمان استدامة الشركات الوطنية وحفظ حقوقها المالية، فالعراق اليوم بحاجة ماسة إلى مكاشفة اقتصادية صريحة توضح أين استقرت أموال الموازنات والجبايات المليارية، ولماذا يُراد للمقاول العراقي أن يدفع ضريبة الهدر الإداري من عرق عماله وأموال شركته، في وقت تزداد فيه خزينة الدولة إيراداتٍ وتزداد فيه الشركات الوطنية فقراً وإفلاساً.
التعليقات الأخيرة