جيوسياسية الأنابيب: مخاض الشرق الأوسط الجديد وولادة إسرائيل الكبرى
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
يواجه الشرق الأوسط في منعرجه الراهن تحولاً بنيوياً يتجاوز مفاهيم الصراع التقليدية، حيث ترسم التطورات الأخيرة ملامح نظام إقليمي جديد لم يعد يعتمد على فوهة البندقية وحدها بقدر اعتماده على شبكات المصالح العابرة للحدود. إن المصادقة التاريخية على صفقة الغاز الكبرى بين إسرائيل ومصر بملياراتها المائة واثني عشر شيكلاً لم تكن مجرد اتفاق تجاري عابر، بل هي الحجر الأساس في معمار "الشرق الأوسط الجديد" الذي طال الحديث عنه، لتبدأ معها مرحلة "شهوق المشيدات" الأمنية والاقتصادية والسياسية التي باتت واقعاً يراه القاصي والداني. هذه الصفقة، وما يوازيها من ترتيبات في الأردن، تؤكد أن إسرائيل قد نجحت في تحويل الطاقة إلى مادة لاصقة تربط استقرار العواصم المحيطة بها باستقرار المركز في تل أبيب، مما أوجد حالة من التبعية الهيكلية التي تجعل من أي نكوص عن هذه الاتفاقيات انتحاراً اقتصادياً للأطراف المرتبطة بها.
وفي خضم هذا البناء المتسارع، يبرز "مؤتمر شرم الشيخ للسلام" كإطار سياسي وشرعي باركه المجتمع الدولي برعاية مباشرة من إدارة دونالد ترامب، ليضع الختم النهائي على تصفية محاور المقاومة وتدجينها. لقد نجحت الاستراتيجية الغربية والإسرائيلية في استغلال الفعل المسلح للفصائل وتحويله عبر أدوات الكي الوعي إلى "ذريعة أمنية" تشرعن عزل هذه القوى وتصنيفها كحركات قمعية وإرهابية، مما أزاح الموانع الأخلاقية والجيوسياسية أمام التطبيع الشامل. وبذلك، تحولت المقاومة -بعلمها أو بدونه- إلى جسر عبرت عليه مشروعات الهيمنة، حيث أفسح الدمار المجال لإعادة الإعمار المشروط بتبني نموذج "السلام الاقتصادي" الذي تديره منظمة التحرير الفلسطينية كوكيل إداري معتمد، لتتراجع قضية التحرر الوطني إلى ملف خدماتي وتنموي تحت رقابة أمنية إقليمية مشددة.
إن ما نراه اليوم هو اكتمال فعلي لخارطة "إسرائيل الكبرى"، ولكن بصيغتها العصرية التي لا تحتاج إلى تحريك الدبابات لتجاوز الحدود، بل تكتفي بمد الأنابيب والتحكم في تدفقات السيولة والبيانات. لقد تم إغلاق المحاور واحداً تلو الآخر؛ فسوريا تم تحييدها بالاستنزاف، ومصر والأردن تم احتواؤهما بالاعتماد المتبادل، ولم يبقَ سوى خطوات معدودة لضم ما تبقى من فواعل في لبنان والعراق إلى هذا البناء المتين. إنها اللحظة التي تتكشف فيها نتائج عقود من التخطيط، حيث لم يعد هناك مكان للموانع التقليدية، وبات الشرق الأوسط الجديد واقعاً صلباً يتشكل من تحالفات المصالح الكبرى، مخلفاً وراءه حقبة كاملة من الشعارات القومية والأيديولوجية التي ذابت في حرارة صفقات الغاز الكبرى وترتيبات شرم الشيخ الأمنية.
التعليقات الأخيرة