news-details
مقالات

حين ضيع الظلم انسانة

حين ضيع الظلم انسانة


بقلم/ناني عادل 

كانت انسانة تمشي في الحياة بقلب مفتوح اكثر مما ينبغي تؤمن ان الطيبة ليست ضعفا وان الصبر ليس هزيمة وان الحق مهما طال غيابه لا بد ان يعود لم تكن تطلب اكثر من معاملة عادلة تشبه تعبها ولا تحلم باكثر من مساحة امان تعيش فيها بسلام لكنها وجدت نفسها فجأة داخل دوامة لا ترحم دوامة الظلم الذي لا يطرق الابواب بل يدخل بلا استئذان بدأ الامر صغيرا كعادة الظلم كلمة قيلت عنها بلا حق نظرة شك لم تجد من يردها موقف احتاجت فيه سندا فلم تجد سوى الصمت وكانت تظن ان الايام ستصلح ما افسده البشر وان الحقيقة وحدها كافية لكنها اكتشفت مبكرا ان الحقيقة تحتاج من يحميها وان البراءة لا تكفي وحدها في عالم اعتاد ان يصدق الصوت الاعلى لا القلب الانقى
كانت تسقط ببطء دون ضجيج لانها تعلمت ان تبتسم وهي موجوعة وان تخفي كسرها حتى لا تثقل على احد كانوا يرونها قوية لانهم لم يروا دموعها وكانت قوية فعلا لكنها كانت تستهلك نفسها بصمت كانت تحمل فوق قلبها ما لا يحتمله قلب انسانة واحدة تسمع الاحكام تصدر عنها دون ان يمنحوها فرصة للكلام ترى حقوقها تضيع واحدة تلو الاخرى ويطلب منها دائما ان تتفهم ان تصبر ان تتنازل وكأن الظلم دورها المكتوب وكأن الوجع وظيفة لا يراها احد
مع الوقت بدأ الظلم يسرق منها الاشياء الصغيرة اولا سرق صوتها حين صار الدفاع عن النفس تهمة وسرق ثقتها حين شككوا في نيتها وسرق فرحتها حين صار الحذر اسلوب حياة وسرق احلامها حين صار الواقع اقسى من قدرتها على الاحتمال كانت تقف امام المرآة ولا ترى تلك التي كانتها ترى امرأة مرهقة بعينين ممتلئتين بكلام لم يخرج ودموع لم تنزل كانت تشعر بالغربة في كل مكان حتى داخل نفسها تراجع خطواتها وتشك في مشاعرها وتخاف ان تكون مخطئة حتى وهي مظلومة كان الظلم يجعلها تعتذر عن اشياء لم تفعلها وتبرر اخطاء غيرها فقط كي لا تخسر المزيد
كانت الايام تمر ثقيلة بلا ملامح والليالي تطول داخل صدرها كانت تنام محملة بالاسئلة وتستيقظ على نفس الحمل كانت الحياة تتحول من حلم الى واجب ومن رغبة الى محاولة بقاء كانت تضحك احيانا لا لانها سعيدة بل لان التعب وصل مرحلة الصمت لم تكن تبحث عن انتقام ولا عن ضجيج كانت تريد عدلا بسيطا كلمة واحدة صادقة تقول لها انت لم تخطئي لكنها لم تسمعها فتعلمت ان تصمت اكثر وان تنكمش اكثر وان تحمي ما تبقى منها بالعزلة
ومع كل ذلك لم تكن ضعيفة بل كانت انسانة اعطت اكثر مما يجب وصدقت ان الخير يكفي وحده لكن الظلم كان اقسى من طاقتها البشرية كان يتسلل الى تفاصيلها اليومية يغير نظرتها لنفسها وللعالم يجعلها تشك في كل جميل وتخاف من الامل اكثر من الخيبة لم يقتلها جسدا لكنه اطفأ روحها قطعة قطعة حتى صارت حاضرة غائبة تتنفس بلا حياة وتتحرك بلا شغف
وفي النهاية لم تضيع لانها لم تقاوم بل لانها قاومت وحدها لان العدل تأخر حتى تعب القلب من الانتظار ولان الظلم حين يطول لا يكسر الانسان مرة واحدة بل يعيد تشكيله بشكل موجع ضيع انسانة كانت تستحق حياة اهدأ وقلبا مطمئنا وعالما اعدل وهذا هو اخطر ما يفعله الظلم انه لا يترك جثة بل يترك انسانا يمشي بين الناس وقد فقد نفسه دون ان ينتبه له احد

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا