شعبوية الزمن: الديمقراطية السريعة في عصر الخوارزميات
د. طالب محمد كريم
لم يعد التاريخ البشري قادراً على الحفظ، ولا على التفكير الطويل، ولا حتى على فضيلة التأمّل. كأننا نقف أمام أنبوب هائل، مخروطيّ الشكل، يتدفّق عبره الزمن بسرعة الضوء، محمّلاً بكل ما تنتجه الطبيعة والعقل البشري معاً. هذا السيل الجارف لا يمنح العين فرصة التسجيل، ولا يتيح للذاكرة زمناً كافياً للاحتفاظ بما مرّ، فتتراكم الأحداث دون أن تتحوّل إلى خبرة، وتتكدّس الوقائع دون أن تصير فهماً. وإذا كانت الذاكرة تعجز عن الحفظ، فكيف للعقل أن يتدارك، أو يفكّر، أو يبني وعياً طويل الأمد؟
نحن لا نعيش لحظة تفكير، بل لحظة توقّف خاطفة، أشبه بمحطة عبور سريعة إلى زمن تال، دون روية، ودون مساءلة. ومن هنا لم نعد نقيم في زمن الحقائق، بل في زمن القناعات العابرة، توصيفات مرحلية تُستهلك بسرعة، ثم تُستبدل بأخرى، من غير أن تترك أثراً معرفياً أو أخلاقياً. لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: بماذا نقتنع الآن؟ ثم نمضي.
هذا التحوّل الزمني لم يبقَ حبيس المعرفة أو الثقافة، بل امتدّ مباشرةً إلى السياسة، فأعاد تشكيل علاقة الشعوب بها. السياسة، التي كانت فعلاً تاريخياً يتغذّى على الذاكرة والتجربة والمشروع، تحوّلت إلى استجابة لحظية، وإلى تفاعل انفعالي مع حدث عابر. لم تعد الشعوب (تفكّر سياسياً)بقدر ما (تتفاعل سياسياً) والفرق بين التفكير والتفاعل هو الفرق بين الوعي وردّ الفعل.
في هذا السياق، لم يعد المواطن فاعلاً سياسياً بالمعنى الكلاسيكي، بل تحوّل إلى مستخدم ضمن منظومة بيانات. يُخاطَب بوصفه كتلة انفعالات لا عقلاً نقدياً، تُدار مخاوفه، ويُستثمر غضبه، وتُستثار آماله القصيرة، لا من أجل بناء مشروع، بل لضمان الاستجابة السريعة. لا تحتاج هنا السياسة إلى برامج طويلة، بل إلى رسائل قصيرة، ولا تحتاج إلى حقيقة مركّبة، بل إلى سردية قابلة للتداول.
وهكذا اختفت الحقيقة بوصفها مساراً للفهم، لتحلّ محلّها (قناعة صالحة للاستهلاك). الحقيقة في الزمن السريع، هي عبء، لأنها تحتاج وقتاً، بينما القناعة السريعة أرخص وأكثر نفعاً في سوق السياسة والإعلام. لذلك تُختزل القضايا المعقّدة في شعارات، وتُدار الأزمات عبر توصيفات مبسّطة، ويُقاس نجاح الخطاب لا بعمقه، بل بسرعة انتشاره.
من هنا يمكن فهم التعب السياسي الذي تعيشه الشعوب اليوم: (تردّد، غضب بلا اتجاه، حماسة بلا مشروع، أو انسحاب صامت). ليس لأن السياسة غائبة، بل لأنها فائضة، فائض رسائل، فائض وعود، فائض لحظات لا تتحوّل إلى تاريخ. ومع هذا الفائض، تتآكل القدرة على الاندماج السياسي، لأن الاندماج يحتاج زمناً للفهم، وذاكرة جمعية، وإحساساً بالمسؤولية، وهي كلها عناصر تتآكل في زمن الخوارزميات.
هذه هي نسختنا البشرية الراهنة: نسخة لا تصنع الزمن بل تُستهلَك فيه، لا تبني الوعي بل تتكيّف، ولا تتأمّل بل تمرّ. نسخة تشعر بالاغتراب، لا لأنها خارج السياسة، بل لأنها داخلها دون قدرة على الإمساك بمعناها. ومن هنا، لا يبدو الاغتراب حالةً عارضة، بل تعبيراً عن انفصال الإنسان عن ذاكرته، وعن الحقيقة، وعن ذاته، في عالم بات أسرع من قدرته على التفكير.
التعليقات الأخيرة