لا ترند فوق الدولة: مصر تواجه بلوجرز الفوضى
بقلم د. هاني المصري
-----------------------------
لم تعد الفوضى الرقمية مجرد تجاوزات فردية أو محتوى عابر على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى ظاهرة منظمة تقودها قلة من البلوجرز والتيكتوكرز ممن اتخذوا من الإسفاف وسيلة للشهرة، ومن كسر القيم طريقًا للانتشار. ظاهرة لا تستهدف الترفيه، بل تضرب في عمق الوعي المجتمعي، وتعبث بالذوق العام، وتُقدِّم نماذج مشوهة للشباب تحت لافتة زائفة اسمها «الحرية». ومع تصاعد هذا الخطر، كان تدخل الدولة المصرية ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، دفاعًا عن المجتمع، وحماية لهويته، وحسمًا لمعركة الوعي التي لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى.
هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم “نجومًا” على منصات التواصل، لا يمثلون سوى نموذج مشوَّه للشهرة، شهرة لا تقوم على موهبة حقيقية أو رسالة هادفة، بل على ترويج السلوكيات المنحرفة، والسخرية من القيم، والتطاول على الذوق العام، وتشويه صورة المجتمع المصري، داخليًا وخارجيًا، وكأن الهدف هو كسر كل ما هو راسخ من عادات وتقاليد، فقط من أجل حفنة من الإعجابات.
الأخطر أن هذا المحتوى السام لم يتوقف عند حدود التفاهة، بل امتد ليصنع قدوات زائفة، خاصة لدى فئة الشباب، تُقدِّم النجاح على أنه صراخ، أو استعراض فج، أو تجاوز أخلاقي، لا علم ولا عمل ولا جهد. وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للوعي الجمعي، ويضرب في عمق فكرة بناء الإنسان التي تسعى إليها الدولة.
ومن هنا، جاء موقف القيادة السياسية المصرية واضحًا وحاسمًا، إدراكًا لخطورة ترك هذه الفوضى دون ردع. فقد تم اتخاذ إجراءات صارمة لمنع ظهور هذه النماذج المشوهة على الشاشات الإعلامية، ورفض تحويل الإعلام الوطني إلى منصة لتلميع التفاهة أو مكافأة الإسفاف، في رسالة قوية مفادها أن مصر لا تساوم على قيمها، ولا تسمح بتحويل الإعلام إلى سيرك رقمي.
هذه الإجراءات لا تُعد تقييدًا للحريات كما يحاول البعض الترويج، بل هي دفاع مشروع عن المجتمع، وحماية للذوق العام، واستعادة لدور الإعلام كأداة وعي وبناء، لا كوسيلة لنشر الانحدار الأخلاقي. فحرية التعبير لا تعني الفوضى، ولا تعني منح الميكروفون لكل من يبحث عن شهرة رخيصة على حساب المجتمع.
إن المعركة اليوم ليست مع أشخاص، بل مع ثقافة التفاهة التي يحاول البعض فرضها كأمر واقع. معركة تتطلب وقفة حاسمة من الدولة، والإعلام، والمجتمع، لدعم المحتوى الجاد، ومحاسبة كل من يتعمد هدم القيم، أو الاتجار بالإسفاف، أو تشويه صورة الوطن.
إن ما تتخذه الدولة المصرية من إجراءات حاسمة في مواجهة فوضى البلوجرز والتيكتوكرز ليس استهدافًا لأشخاص، بل تصحيح لمسار انحرف، ورسالة واضحة بأن هيبة الدولة وقيم المجتمع خط أحمر لا يُسمح بتجاوزه. فالإعلام ليس ساحة للعبث، ولا منصة لمكافأة التفاهة، ولا نافذة لمن يتاجر بالإسفاف على حساب وعي الأجيال. ومع استمرار معركة الوعي، تبقى الكلمة الفصل لدولة تدرك حجم التحدي، وشعب يرفض أن تُختطف هويته باسم “الترند”، ويؤمن أن بناء الوطن يبدأ بحماية عقله قبل أي شيء آخر.
التعليقات الأخيرة