news-details
مقالات

المعاملات ونصيبها من التيسير

بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، وقد جاءت الآية الكريمة " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " للإقرار بأن حياتنا لله عز وجل، وما دامت كذلك فإن من واجب المسلمين أن ينظموا هذه الحياة ويستثمرونها من أجل الوصول إلى مرضاة الله عز وجل، ولهذا يقول الحسن البصري رحمه الله أدركت أقواما كان أحدهم أشحّ على عمره منه على درهمه ودنانيره، وكما قال أبو شيخة "الذين ينظرون إلى الوقت بعين الإهتمام هم الذين يحققون إنجازات كثيرة في حياتهم الشخصية والمهنية، وهم الذين يعلمون أن الوقت قليل لتحقيق كل ما يريدون، وعلى العكس من ذلك فإن المرء الذي لا يهتم كثيرا بالإنجازات ينظر إلى الوقت على أنه ذو قيمة قليلة " وتظهر معالم التيسير للشريعة الإسلامية في مجالات كثيرة منها المعاملات.




حيث أن للمعاملات نصيب من التيسير كما هو موجود في سائر أمور الدين ومن ذلك البيوع، فقد رغب الشرع في التسامح بين الناس في البيع والشراء، وكذلك شرع فيها بعض الأمور التي تجلب التيسير فيه، كخيار المجلس، ورد السلع للعيب كل ذلك شُرع دفعا للضرر بين المتبايعين وشُرع خيار الشرط للمشتري دفعا للندم، وتظهر معالم التيسير للشريعة الإسلامية في مجالات كثيرة، منها المطالبة بالديون، حيث أذنت الشريعة لصاحب الحق في المطالبة بدينه والإغلاظ فيه إن تبين للدائن مماطلة من المدين، لكن إذا تبين للدائن أن المدين معسر لا يجد ما يؤدي به فإن الإنظار واجب، وذلك تيسرا عليه، ولقد أخبرنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفق واليسر في أمور ديننا في أحاديث كثيرة وأرشدنا القصد في الأخذ بها وترك الغلو والتفريط، حيث قال الطيبي "عليكم بالقصد في الأمور في القول والفعل، 



وهو الوسط بين الطرفين من الإفراط والتفريط" والاقتصاد إنما يكون بلزوم السنة والتقيّد بهدي النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- بلا غلو ولا جفاء ولا إفراط ولا تفريط، وعندما يتكلم الله عز وجل عن عباده فيقول " منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون" وحين تحدث عن معاملاتهم بدأ بالإيجابي، وهو قوله تعالي " من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك" وبعدها ذكَر الفريق الثاني الذي لا يحافظ على الأمانة، وهو " من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما" ورغم أنه الفريق الأكثر عددا وبالعودة إلى منهج القرآن في التعامل مع حادثة الإفك، وهي قضية حساسة نواجه مثلها كثيرا في حياتنا، فحين نتأمل سورة النور نجد أن معالجة القرآن تركزت في المقام الأول على تفاعل الناس مع الإشاعة وليس على مضمون الإشاعة، فلم يكن الجزء الأكبر من المعالجة القرآنية هو نفي وقوع الحادثة.



ونحن نعلم يقينا أنها إفك وافتراء على أمّنا الطاهرة المطهرة بنت الصديق رضي الله عنها لكن أولوية القرآن كانت هي تحذير الناس من مجرد الخوض في مثل هذه الشائعات مستقبلا، حيث قال الله عز وجل " إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم" ويقول الله عز وجل ناهيا عن هذا الفعل الشنيع وهو الكذب والإفتراء في قوله تعالي " يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا" وذلك لأن إشاعة الحديث عن الفاحشة هو أخطر مِن الفاحشة ذاتها، على افتراض أنها وقعت، فلو ضعفت نفس إنسان وعصى الله في السر، فإنه يبوء بإثمه وحده، بينما تبقى الصورة العامة للمجتمع ناصعة مشرقة باعثة للأمل، أما تلقي الناس لمثل هذه الأحاديث بألسنتهم وتداولها في مجالسهم، فإن ضرره يطول المجتمع بأسره وذلك لأنه يهيّئ الأجواء للمزيد من الإنحرافات.




إذ تتعزز الأخيلة والخواطر المريضة التي تزين لصاحبها البحث عن الحرام، كما أن هذا الحديث يعدم ثقة الناس بعضهم ببعض، ويعزز الريبة والشك، ويقتل مشاعر الحب والخير في نفوسهم، مما يؤدي بالمجتمع إلى الهلاك.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا