news-details
مقالات

ما بعد الإنترنت العالمي: إيران تؤسس لعصر العزلة الرقمية القسرية بقلم : د . هاني المصري " جريده الأضواء المصريه "

ما بعد الإنترنت العالمي: إيران تؤسس لعصر العزلة الرقمية القسرية
بقلم : د . هاني المصري
---------------------------------
في عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة البشر على الاستيعاب، لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة اتصال أو مساحة للتعبير، بل تحوّل إلى ساحة صراع سيادي مكتملة الأركان. الدول لم تعد تتنافس فقط على النفوذ العسكري أو الاقتصادي، بل على من يمتلك مفاتيح الشبكة، ومن يتحكم في تدفق البيانات، ومن يملك القدرة على توجيه العقول قبل تحريك الجيوش. وفي هذا السياق، يكشف التوجه الإيراني نحو بناء “إنترنت حديدي” شديد الانغلاق عن ملامح مرحلة جديدة من الصراع الدولي، مرحلة تُعاد فيها كتابة مفهوم السيادة، ويُعاد فيها تقسيم العالم لا على الخرائط السياسية، بل على خرائط رقمية خفية، أكثر خطورة وأعمق تأثيرًا.

هذا المشروع لا يقتصر على حجب مواقع أو تقييد منصات بعينها، بل يقوم على تفكيك مفهوم الإنترنت العالمي نفسه داخل الدولة، عبر بناء شبكة رقمية بديلة، محكومة بالكامل، ومنفصلة تدريجيًا عن الشبكة الدولية، بما يجعل الفضاء الرقمي امتدادًا مباشرًا لسلطة الدولة وسيادتها.

شبكة مغلقة بدلًا من عالم مفتوح

وفقًا للتقارير، تعمل إيران على إنشاء منظومة رقمية متكاملة تقوم على منصات محلية بدل العالمية، وتحكم شامل في البيانات، والبنية التحتية، ومسارات الاتصال، مع تقليص الوصول إلى الإنترنت العالمي ليصبح استثناءً خاضعًا للرقابة. وبهذا، يتحول المستخدم من مواطن رقمي عالمي إلى مستخدم داخل فقاعة معلوماتية مغلقة، تُصاغ فيها الرواية، وتُدار فيها المعرفة، وتُحدد فيها حدود الوعي.

هذه الخطوة لا تعكس فقط مخاوف أمنية، بل تشير إلى عصر جديد من السيادة الرقمية الصلبة، حيث لم تعد الدولة تحرس حدودها بالسلاح وحده، بل بالخوادم، والكوابل البحرية، ونقاط تبادل البيانات.

الإنترنت كسلاح… لا كمساحة حرّة

ما تفعله إيران اليوم هو جزء من اتجاه عالمي متصاعد نحو تسليح الإنترنت. فالغرب من جانبه لا يقدم نموذجًا بريئًا، إذ يستخدم الهيمنة التكنولوجية، ومنصات التواصل، وأنظمة التشغيل، والعقوبات الرقمية، كأدوات ضغط سياسي واقتصادي، بينما يرد الشرق ببناء شبكات موازية مغلقة، تحمي القرار السيادي لكنها تدفع العالم نحو التفكك الرقمي.

وهنا لم يعد الصراع بين حرية وقمع فقط، بل بين نموذجين للسيطرة على الوعي:
نموذج يفرض قيمه عبر الهيمنة التقنية، ونموذج يغلق حدوده الرقمية خوفًا من الاختراق.

الانقسام الرقمي… خطر مباشر على الأمن القومي العربي

الأخطر في هذا المشهد أن المنطقة العربية تقف في قلب هذا الصراع، لا على هامشه. فالدول العربية ليست مجرد مستخدم للإنترنت، بل تقع جغرافيًا في مفترق طرق الكيبلات البحرية العالمية، وتتعرض مجتمعاتها لحروب معلومات، وحملات تضليل، واختراقات سيبرانية، تستهدف الاستقرار والوعي قبل أي شيء آخر.

الانقسام الرقمي العالمي يعني أن الدول التي لا تمتلك سيادة رقمية واضحة ستجد نفسها ساحة مفتوحة، تُبث فيها الروايات المتصارعة، وتُدار فيها العقول عن بُعد، دون امتلاك أدوات الحماية أو الرد.

مصر في قلب المعركة الرقمية

بالنسبة لمصر، لا يُعد هذا التحول مسألة نظرية أو بعيدة. فموقعها الاستراتيجي، وثقلها السياسي، ودورها الإقليمي، يجعلها هدفًا دائمًا في حروب الجيلين الرابع والخامس، حيث تُستخدم المنصات الرقمية كسلاح لإثارة الفوضى، وبث الشائعات، وضرب الثقة بين الدولة والمجتمع.

من هنا، يصبح الحديث عن الأمن القومي المصري حديثًا عن حماية البنية الرقمية، وتأمين البيانات، وبناء وعي مجتمعي قادر على التمييز، لا مجرد مسألة تقنية. فالدولة التي تفقد السيطرة على فضائها المعلوماتي، تفقد تدريجيًا قدرتها على توجيه مستقبلها.

العالم يتشظّى… والإنترنت أول الضحايا

إن ما يجري اليوم ليس معركة تقنية عابرة، بل صراع وجودي على المستقبل. فالعالم يتجه بثبات نحو تفكك رقمي يوازي التفكك السياسي، حيث تصبح الشبكات أدوات اصطفاف، وتتحول البيانات إلى سلاح، ويغدو الوعي هدفًا مشروعًا في ساحات الحرب الجديدة. وفي قلب هذا المشهد، تجد الدول العربية، ومصر على وجه الخصوص، نفسها أمام اختبار حاسم: إما امتلاك رؤية وسيادة رقمية تحمي القرار الوطني وتحصّن المجتمع، أو البقاء ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. فالمعركة القادمة لن تُخاض بالدبابات وحدها، بل بالخوارزميات، والبنية التحتية، ومنصات التأثير، ومن يتأخر عن فهم هذه الحقيقة، لن يخسر اتصالًا… بل سيخسر صوته ومكانه في عالم يعاد تشكيله من خلف الشاشات.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا