أمواج ناعمة
تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٣)
د. ياسر محجوب الحسين
عبر الحلقة (١٣) وضمن سلسلة "تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية"، تمضي الأمواج الناعمة في التقاط الحكايات التي لم تكتبها الصدفة، بل صاغتها المهنة بالصبر والمواجهة. هنا، لا تهدأ الكلمة الحرة، وهي تنقّب بين صخور التجربة ورمال التضحيات عن دررٍ صحفية خالدة. من الشرق الذي علّم الحروف كيف تكون شاهدة، إلى مراكز النفوذ التي لا تُقتحم إلا بالجرأة، نقترب من مسيرتين تشبهان المدّ العالي: عبدالقادر باكاش، الذي جعل من الصحافة سيرة حياة، وهاجر سليمان، التي اختارت أن تكتب في قلب العاصفة. حكايتان، بصوتين مختلفين، لكن بموجة واحدة.. موجة لا تزال تؤمن بأن الحقيقة، مهما تأخرت، لا تغرق.
عبد القادر باكاش
منذ وقتٍ مبكر، حين كانت الأحلام أكبر من الجغرافيا، وأوسع من حدود الإمكانات، بدأ خيط الصحافة ينسج نفسه في وجدان عبدالقادر باكاش. لم تكن في بيئته صحف تُقرأ، ولا مطابع تُسمع، ولا صحافيون يُحتذى بهم، غير أنّ قصيدة صغيرة وردت في كتاب مدرسي أشعلت شرارة العمر. كان تلميذاً في الصف الرابع بمدرسة تهاميام الابتدائية بشرق السودان الثغر الباسم، حين توقّف طويلاً أمام أبياتٍ تسأل المستقبل ببراءة:
«يا ترى ماذا أصير
عندما أغدو كبيراً
هل ترى أغدو طبيباً
أو زعيماً أو وزيراً
هل ترى أغدو أديباً
أو صحافياً شهيراً»
عندها، حُسم الأمر. اختار الفتى طريق الصحافة، لا لأنها الأسهل، بل لأنها الأصدق تعبيراً عن شغفه وقلقه وأسئلته المبكرة. ومنذ تلك اللحظة، صار يلاحق الحروف أينما وُجدت، يقرأ الصحف بشغف، ويتابع الإذاعات، ويصنع لنفسه نافذة على العالم.
في مدرسته، أصدر أولى تجاربه الصحفية: صحيفة حائطية حملت اسم «النبراس»، شاركه في إعدادها عدد من زملائه، فكانت تمريناً مبكراً على التبويب والكتابة والعمل الجماعي. ثم واصل مسيرته الأكاديمية بالتحاقه بكلية بورتسودان الأهلية، قسم الاقتصاد والعلوم الإدارية، قبل أن يعمّق اختياره المهني بدراسة الإعلام والعلاقات العامة في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.
عام 2002، خطا عبدالقادر باكاش أولى خطواته الاحترافية في بلاط صاحبة الجلالة، مبتدئاً مسيرته العملية في صحيفة «الشرقية». ومن هناك، شق طريقه بثبات نحو الصحافة الجريئة، حين انتقل مراسلاً لصحيفة «ألوان» من ولاية البحر الأحمر. تميّزت تقاريره بالجرأة والمصادمة، فلم تكن كلماته تمرّ دون ثمن؛ إذ قادته أخباره غير مرة إلى الملاحقات الأمنية، وجعلت من حراسات ومخافر الشرطة محطاتٍ متكررة في يومياته المهنية.
وبالتوازي مع عمله في «ألوان»، شارك في فبراير 2005 مع عدد من زملائه في تأسيس صحيفة «بورتسودان مدينتي»، كأول صحيفة إقليمية تصدر بانتظام بهيئة تحرير متكاملة، في تجربة شكّلت نقلة نوعية للصحافة في شرق السودان. هذا النجاح حفّزه لاحقاً، في عام 2008، لتأسيس صحيفة «أمواج» الإقليمية، قبل أن يشارك مع آخرين في تأسيس صحيفة «صوت برؤوت»، التي تقلّد فيها منصب مدير التحرير، ثم رئيس التحرير، وهو الموقع الذي ظل يشغله حتى اليوم.
على مستوى الصحافة القومية، انتقل باكاش من «ألوان» إلى صحيفة «السوداني» في نوفمبر 2006، مراسلاً لها من الشرق، وظل يؤدي دوره حتى توقّف صدور نسختها الورقية على خلفية الحرب في 15 أبريل 2023.
لم تكن مسيرته مفروشة بالاعتراف وحده، بل بالتضحيات أيضاً. ففي عام 2011، تعرّض للاعتقال والترحيل إلى الخرطوم، لمواجهة محاكمة بتهم وُصفت بأنها «جرائم موجهة ضد الدولة». ورغم أن القضاء أنصفه بحكم البراءة، إلا أن الأجهزة الأمنية أغلقت صحيفة «صوت برؤوت» وألزمت الناشرين بعزله من موقعه مديراً للتحرير.
غير أنّ الانكسارات لم تكن يوماً خاتمة لحكايته. فما لبث، بعد فترة وجيزة، أن عاد إلى الميدان عبر إذاعة «مرايا FM 100»، مواصلاً رسالته بصوتٍ لا يعرف الصمت.
وخلال رحلته المهنية، نال باكاش عدداً من الجوائز وحظي بتكريمات متعددة، وامتد نشاطه الصحفي إلى القنوات العالمية والمنصات الإلكترونية. كما تلقى العديد من الدورات التدريبية داخل السودان وخارجه، ليصقل تجربته ويعمّق أدواته.
هكذا، صنع باكاش اسماً صحفياً مؤثراً في تشكيل الرأي العام، صوتاً صادحاً بهموم وقضايا أهل الشرق، شاهداً على زمنٍ مضطرب، ومؤمناً بأن الصحافة، مهما اشتدت العواصف، تظل فعلاً من أفعال الأمل.
هاجر سليمان
منذ أن قرّرت هاجر سليمان أن تضع قدمها في بلاط الصحافة، اختارت الطريق الأكثر وعورة، ذاك الذي تمتلئ جوانبه بالمخاطر، وتكثر فيه الأسئلة، وتقلّ فيه المجاملات. لم تغرها المسارات السهلة ولا الزوايا الآمنة، بل اندفعت، كامرأة تعرف ما تريد، إلى قلب العاصفة: أخبار الجريمة، وملفات الفساد، والتحقيقات التي لا تُكتب إلا بأعصابٍ باردة وقلبٍ لا يخشى الاصطدام.
سرعان ما استحقت هاجر، وبجدارة، وصفها كواحدة من أبرز صحفيي أخبار الجريمة والفساد في السودان. وفي مجالٍ ظل لسنوات حكراً على الرجال، اقتحمته بثقة، ولم تكتفِ بالحضور، بل تفوقت على كثير من زملائها الذكور، مهنيةً، ومصادرَ، وتأثيراً. كوّنت شبكة علاقات قوية وممتدة مع القيادات الشرطية والأمنية، فكانت أخبارها دقيقة، وتحقيقاتها مسنودة بالوقائع، لا بالهمس أو التخمين.
عملت لسنوات في صحيفة «الانتباهة» السودانية، حيث لمع اسمها عبر زاوية «وجه النهار»، التي تحولت إلى مساحة مكشوفة لفضح الاختلالات، وتشريح الوقائع، ومساءلة السلطة بلا تردد. عُرفت بتخصصها العميق في أخبار الحوادث والتحقيقات الجنائية، وكانت تقاريرها كثيراً ما تشعل الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية، لأنها ببساطة تضع الإصبع على الجرح.
لم يكن هذا الطريق بلا كلفة. ففي أكتوبر 2025، تعرّضت هاجر للاعتقال والترحيل إلى بورتسودان، على خلفية بلاغ تقدم به محافظ بنك السودان المركزي السابق، برعي الصديق، بتهمة «التشهير والإساءة»، عقب نشرها مقالات كشفت عن شبهات فساد داخل البنك. ورغم الإفراج عنها لاحقاً بالضمان، إلا أن الواقعة شكّلت فصلاً جديداً في سجل المواجهة المفتوحة بينها وبين مراكز النفوذ.
ومع ذلك، لم تتراجع خطوة واحدة. فاليوم، لا تزال هاجر سليمان تواصل نشر تحقيقاتها وتقاريرها الساخنة، وتكتب مقالات رأي جريئة عبر منصات التواصل الاجتماعي والصحف الرقمية، مركّزةً على ملفات الفساد في المؤسسات الحكومية والبنوك، ومؤمنةً بأن الصحافة، حين تلامس الحقيقة، لا بد أن تدفع ثمنها.
هكذا، تمضي هاجر سليمان في مسيرتها، صحفيةً لا تكتفي بسرد الجريمة، بل تحاكم أسبابها، ولا تلاحق الفساد من أطرافه، بل تقتحم مراكزه. أنثى كسرت الصور النمطية، وأثبتت أن الجرأة لا تُقاس بالنوع، بل بقدرة الصحفي على الوقوف وحيداً في مواجهة العتمة، وهو يشعل عود ثقابه الأول.
نواصل بإذن الله،،،
Omdertimes.comيا
التعليقات الأخيرة