news-details
مقالات

لماذا قبل العراق بملف معتقلي داعش؟ قراءة خارج الانفعال د. طالب محمد كريم " جريده الأضواء المصريه "

لماذا قبل العراق بملف معتقلي داعش؟ قراءة خارج الانفعال

د. طالب محمد كريم

في خضمّ التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية، وما رافقها من تصدّعات أمنية في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، برز إلى الواجهة ملف بالغ الحساسية: نقل مئات، وربما آلاف، من عناصر تنظيم (داعش) المحتجزين في سجون شمال شرق سوريا إلى الأراضي العراقية، بإشراف وتنسيق أميركي-عراقي.

هذا التطور لم يكن تفصيلاً أمنياً عابراً، ولا إجراءً تقنياً محدود الأثر، بل يمثل قراراً استراتيجياً يحمل في طياته أبعاداً سياسية وأمنية وإقليمية معقّدة، ويضع العراق أمام معادلة دقيقة: بين خطر حاضر يمكن التحكم به، وخطر مؤجل قد ينفجر في لحظة غير محسوبة.

من الناحية الواقعية، لم يكن أمام بغداد هامش واسع للمناورة. فالسجون الواقعة في مناطق النزاع داخل سوريا كانت مهددة فعلياً بالانهيار، سواء بفعل الاشتباكات أو تراجع السيطرة الأمنية أو احتمالات الهروب الجماعي. وكان ترك آلاف المعتقلين في بيئة فوضوية يعني، عملياً، فتح الباب أمام عودة موجات جديدة من الإرهاب، قد تتسلل هذه المرة عبر الحدود، وتضرب في العمق العراقي من جديد.

هنا، بدا خيار نقل المعتقلين إلى داخل العراق وكأنه (الشر الأقل)، أو لنقل: الخطر القابل للإدارة، بدل الخطر المنفلت من كل ضابط. فالدولة التي تمتلك أجهزة أمنية وقضائية وبنية سيادية، مهما كانت تعاني من تحديات، تبقى أقدر على الاحتواء من فضاء مفتوح على الاحتمالات.

غير أن هذا الخيار، وإن بدا عقلانياً في لحظته، لا يخلو من محاذير جسيمة. فالتجربة العراقية مع الإرهاب أثبتت أن السجون ليست دائماً أماكن عزل نهائي، بل قد تتحول، إذا أسيء إدارتها، إلى مراكز لإعادة إنتاج التطرف، وبناء الشبكات، وصناعة القيادات. كما أن تجمّع أعداد كبيرة من المتطرفين في مساحة جغرافية واحدة يظل هدفاً مغرياً لأي محاولة اقتحام أو تهريب أو ابتزاز أمني.

بمعنى آخر، العراق لم يتخلص من الخطر، بل أعاد تموضعه داخل حدوده.

لكن القراءة الأوسع لهذا الملف تكشف أن المسألة لا تخص العراق وحده. فهؤلاء المعتقلين لا يمثلون تهديداً محلياً فقط، بل يشكلون خطراً عابراً للحدود، يستهدف أمن الإقليم برمته، من الخليج إلى المتوسط، بل يمتد أثره إلى الأمن الأوروبي والدولي. تنظيم (داعش)، بطبيعته، لا يعترف بالجغرافيا، ولا يعمل بمنطق الدولة الوطنية، بل بمنطق الشبكات والامتدادات.

من هنا، فإن تحميل العراق وحده عبء هذا الملف، أمنياً وسياسياً وإنسانياً، يمثل اختزالاً غير عادل للمشكلة، وتجاهلاً لطبيعتها الدولية.

وعليه، فإن التعامل العقلاني مع هذا الواقع لا يقتصر على الاحتواء الأمني فقط، بل يفترض أن يتحول إلى ورقة استراتيجية بيد الدولة العراقية، تُدار بوعي، لا برد فعل.

سياسياً، يمتلك العراق اليوم فرصة لإعادة تثبيت موقعه كطرف مركزي في منظومة مكافحة الإرهاب الإقليمية، لا كمجرد ساحة متلقية للأزمات. هذا الملف يمكن أن يُوظَّف لتعزيز الشراكات، وانتزاع اعترافات دولية بدور بغداد، وتحصيل دعم سياسي في ملفات أخرى لا تقل حساسية.

اقتصادياً، لا يجوز أن يتحمل العراق كلفة هذا العبء منفرداً. إدارة آلاف المعتقلين، وتأمين المنشآت، وتطوير المنظومة القضائية والأمنية، كلها تحتاج إلى موارد ضخمة. ومن حق بغداد، بل من واجبها، أن تطالب بدعم مالي وتقني دولي واضح، لا أن تُترك في مواجهة هذا الحمل الثقيل وحدها.

أما أمنياً، فالمطلوب ليس فقط الحراسة المشددة، بل بناء منظومة متكاملة: تحقيق مهني، فصل قيادات التنظيم عن العناصر الهامشية، تسريع الإجراءات القضائية، منع التشبيك داخل السجون، والاستثمار المنهجي في المعلومات الاستخبارية التي يمتلكها المعتقلون.

بكلمة واحدة: تحويل الخطر من عبء إلى أداة إدارة.

إن وصف هذا الملف بأنه (سلاح ذو حدين) ليس توصيفاً بلاغياً، بل حقيقة عملية. الحد الأول هو خطر حاضر، مرئي، قابل للقياس والمراقبة. والحد الثاني هو خطر مؤجل، غامض، قد ينفجر في التوقيت والمكان الخطأ. وبين الحدين، اختار العراق المسار الأقل فوضوية.

لكن هذا الاختيار لا يكون مبرراً إلا إذا ترافق مع استراتيجية واضحة، لا مع إدارة يومية مؤقتة. فالخطر تحت السيطرة قد يتحول، مع الزمن، إلى خطر خارج السيطرة، إذا لم يُحسن التعامل معه.

الخلاصة أن نقل معتقلي داعش إلى العراق ليس انتصاراً أمنياً، ولا هزيمة سياسية، بل اختبار للدولة: في قدرتها على التفكير طويل الأمد، وعلى تحويل الأزمات إلى أدوات قوة، لا إلى مصادر استنزاف.

وإذا كان هذا الخطر لا يستهدف العراق وحده، بل المنطقة والعالم، فإن من حق العراق أن يكون شريكاً في القرار، لا مجرد منفذ له، ومستفيداً من نتائجه، لا ضحية لتداعياته.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا