نبيل فاروق شمس لم تغرب في سمائى سبعون عاماً من صناعة الأمل وحب الوطن
كتبت /منى منصور السيد
في التاسع من فبراير عام 1956، لم يكن التاريخ على موعد مع ولادة كاتب فحسب، بل كان ميلاداً لـ "نور" سيضيء عقولاً وأرواحاً لسنوات طويلة. د. نبيل فاروق، ذلك الطبيب الذي داوى بكلماته انكسارات الواقع، لم يكتب قصصاً للترفيه، بل صاغ "دستوراً" وجدانياً تفتحت عليه عيون جيلٍ بأكمله. واليوم، في ذكرى ميلاده السبعين، لا أكتب عنه كأديب راحل، بل أكتب عنه كمعلمٍ وصديقٍ سكنت كلماته أعماقي، وشكلت ملامح شخصيتي أنا،
لقد كان تأمل شخصية نبيل فاروق يكشف لنا عن رجل آمن بالعقل في زمن العاطفة، وبالعلم في مواجهة الخرافة، فكان قلمه أشبه بمشرط جراح يستأصل الجهل ويزرع بدلاً منه حب الاستطلاع. بالنسبة لي، كواحدة من "متحدي الإعاقة"، لم تكن كتاباته مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل كانت هي النافذة التي أبصرتُ من خلالها حدوداً لا تعرف المستحيل. من خلال "أدهم صبري"، زرع في داخلي يقيناً بأن القوة الحقيقية ليست في جسدٍ كامل، بل في إرادةٍ لا تُقهر؛ علمني أن أكون "امرأة المستحيل" في معركتي الخاصة مع الحياة، وأن أواجه تحدياتي بنفس الثبات الذي يواجه به أبطاله أعتى الأخطار.
أما عن حب الوطن، فقد كان د. نبيل هو "البوصلة" التي رسخت في قلبي أن الانتماء ليس شعاراً يُرفع، بل هو إيمانٌ عميق وتضحية مستمرة. لم يلقنّا الوطنية شعاراتٍ جوفاء، بل جعلها تجري في عروقنا مجرى الدم، فغرس في روحي حب مصر الذي لا يتزعزع، والإيمان بأن كل مواطن، مهما بلغت تحدياته، هو جندي في ثغر من ثغور هذا الوطن. لقد جعلني أؤمن أنني لستُ مجرد رقم، بل أنا مشروع "بطلة" في قصتي الخاصة، وأن دوري المجتمعي يبدأ من إخلاصي لذاتي وتطوير عقلي.
ولا يمكنني الحديث عن إرثه دون التوقف عند "فارس الأندلس"؛ تلك السلسلة التي كانت الملاذ الروحي الذي صاغ مشاعري بصورة لا توصف. لقد تعلمتُ من نبل فرسانها كيف يكون الفارس أبياً، وكيف يُصان الشرف، وكيف أتعامل مع انكسارات الحياة بشموخ وترفع. كانت كلمات "فارس الأندلس" ترسم لي طريقاً من الرقي، وعلمتني أن النبل هو زينة النفس الحقيقية، وأن الفارس هو من ينتصر على يأسه قبل أن ينتصر على ظروفه.
إن أكثر من 700 عنوان لم تكن مجرد أرقام، بل كانت 700 جرعة من الأمل والقيم والأخلاق التي بثت في نفسي القوة لمواجهة الحياة بابتسامة. رحل د. نبيل فاروق جسداً، لكنه بقي في كل خلية من تفكيري، وفي كل لحظة فخرٍ بوطننا الذي علمني أن أعشقه حتى الثمالة. طبت حياً في ذاكرتي يا من جعلت من "روايات مصرية للجيب" مدرسة وطنية وأخلاقية، وستبقى دائماً النور الذي استلهمت منه معنى الحياة.
التعليقات الأخيرة