news-details
مقالات

الاشياء التي لا نبوح بها بقلم/ناني عادل " جريده الأضواء المصريه"

الاشياء التي لا نبوح بها

بقلم/ناني عادل 

في داخل كل انسان صندوق صغير لا يفتحه لاحد صندوق يحفظ فيه ما لا يستطيع قوله وما لا يجد لغة مناسبة للتعبير عنه وما يخاف ان يشاركه مع اي شخص حتى اقرب الناس اليه هذا الصندوق يمتلئ بذكريات ناقصة وبكلمات لم تُقل وبمشاعر حاول اينكارها وبخوف لم يجد وقتا للاعتراف به وبوجع مرّ عليه في صمت وترك أثره دون ضجيج
الاشياء التي لا نبوح بها ليست ضعفا كما يظن البعض بل هي الجانب الاكثر حقيقة في الانسان الجانب الذي يكشف عمق تجربته وصدق احساسه ودرجة تأثره بما مر به فهي المعارك التي خاضها وحده واللحظات التي بكى فيها دون ان يسمعه احد والافكار التي ظلت تدور في رأسه طويلا حتى هدأت رغما عنه
هذه الاشياء تتراكم لكنها لا تموت بل تظل تنتظر اللحظة التي يشعر فيها الانسان انه قادر على مواجهتها حين يقرر ان يتصالح مع ما هرب منه او يعترف بما كذب بشأنه امام نفسه او يفهم اسباب اختياراته التي لم يجد لها تفسيرا من قبل او يغفر لذاته اخطاء لم يكن ناضجا لتجنبها
وفي رحلة العمر يكتشف الانسان ان ما لم يبح به هو ما شكّله فعلا هو ما بنى صلابته وصبره ووعيه هو ما جعله اكثر قدرة على الفهم واكثر نضجا في النظر الى الايام واكثر رحمة بمن يمرون بتجارب مشابهة فكل انسان يحمل ما يخفيه وكل قلب يحمل ما لم يقدر على قوله وكل روح فيها مساحة لا يصل اليها احد
ومع الوقت يدرك الانسان ان الافصاح ليس هو الحل دائما فبعض الامور تنضج في الصمت وبعض الالام تتعافى بالهدوء وبعض الحقائق لا تحتاج ان يسمعها احد كي تكون صحيحة وبعض المشاعر يكفي ان يعترف بها داخله حتى لا تتحول الى عبء يثقل حياته
ومع هذا يبقى اجمل ما يصل اليه الانسان هو اللحظة التي يشعر فيها انه لم يعد خائفا من كل تلك الاشياء التي اخفاها لحظة يشعر فيها ان قوة القلب ليست في اخفاء الوجع بل في القدرة على حمله دون ان ينكسر وعلى تجاوزه دون ان يفقد جزءا من روحه وعلى النظر اليه دون خوف
 يتعلم الانسان ان الاشياء التي لا نبوح بها ليست عيبا بل هي مساحتنا الاكثر صدقا والاكثر انسانية والاكثر قربا من حقيقتنا واننا مهما تحدثنا سيظل هناك جزء صامت لا يعبر عنه الكلام لكنه يعيش معنا ويعلّمنا ويعيد تشكيلنا ببطء حتى نصبح نسخة اقرب لما يجب ان نكون عليه

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا