الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : شاهد عيان خارج الوطن (الحلقة الأولى)
الغربة حين تتحول إلى مرآة
الغربة لا تبدأ عند بوابة المطار…
ولا تنتهي عند ختم الدخول على جواز السفر .
الغربة تبدأ حين تشعر أن اللغة التى بداخلك لا يسمعها أحد و لا يفهمها أحد .
عندما يخرج الإنسان من وطنه، لا يحمل حقيبته فقط، بل يحمل منظومة كاملة من القيم والتوقعات والذكريات . وفجأة تتحول عيناه إلى عدسة دقيقة ترصد التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة . يصبح مراقبا"… حتى لو لم يقصد ذلك .
فى الدول الاخرى خارج الوطن ، حيث الأبراج الزجاجية تلامس السماء، يبدو كل شيء منظمًا ولامعًا. لكن خلف هذا البريق تدور حكايات صامتة لا يراها إلا من يشعر بالغربة.
ترى سيدة تجوب الشوارع ليلًا، تحمل طعامًا للقطط الضالة، تبحث عنها كما لو كانت تبحث عن أبنائها. إنسانية خالصة، لا كاميرات، لا تصفيق، لا إعلان.
وترى فى المقابل أطنانًا من الطعام الصالح تُلقى فى صناديق القمامة، وكأن النعمة أصبحت عبئًا.
ترى من يتمسك بقيمه فى صمت، يقتات خبزًا بسيطًا دون أن يمد يده.
وترى آخرين يتاجرون بكل شيء… حتى بما لا يُتاجر فيه.
تدخل مسجدًا فتجد رجلاً آسيويًا لا يتأخر عن صلاة فجر، يحمل ماءً للمصلين كل يوم.
ثم ترى شابًا يترك صناديق البلح والمياه أمام المسجد ويرحل دون أن ينتظر كلمة شكر أو حتى ركعة صلاة.
فتتساءل:
هل النية أوسع من الفعل؟
وهل الخير يحتاج إلى إعلان أم يكفي أن يُفعل ويمضى؟
الغربة تكشف تناقض الإنسان أكثر مما تكشف تناقض المجتمعات.
تكشف أن الخير ليس حكرًا على جنسية،
ولا الرحمة مرتبطة بديانة،
ولا القسوة لها عنوان جغرافي.
وفى لحظة عابرة، ترى رجلاً عربيًا تائهًا فى مدينة عربية، لا يفهمه أحد، ولا يفهمهم.
يقف حائرًا لأن لغته غريبة وسط الضجيج.
وعندما يجد من يخاطبه بلسانه، تلمع عيناه وكأنه استعاد وطنًا صغيرًا فى كلمة واحدة:
"إنت عربي؟"
هنا تدرك أن الوطن ليس خريطة.
الوطن صوت يشبهك.
نظرة تفهمك.
لغة لا تحتاج إلى ترجمة.
خارج الوطن، تصبح شاهدًا…
لكن الحقيقة الأعمق أنك تصبح شاهدًا على نفسك.
على قيمك.
على قدرتك على الحكم.
وعلى استعدادك أن تفهم قبل أن تُدين.
فهل الغربة تكشف العالم؟
أم تكشفنا نحن؟
هذه مجرد بداية الحكاية…
و للحديث بقية فى الحلقة القادمة .
التعليقات الأخيرة