news-details
مرأة

حين يقرر الزمن ان يرتدي شكلا بقلم/مرينا حسن " جريده الأضواء المصريه "

حين يقرر الزمن ان يرتدي شكلا

بقلم/مرينا حسن 

في عالم يتحرك بسرعه تعجز عنها الخطوات وتتشقق فيه الحياه تحت ضغط التفاصيل الصغيره والكبيرة تظهر الموضه كقوه لا يمكن تجاهلها قوه تشبه الماء تتغير لكنها لا تضيع تتشكل لكنها لا تنكسر تتبدل لكنها لا تفقد معناها الحقيقي الموضه ليست ما نراه على الارفف ولا ما نشاهده في المنصات ولا ما تبيعه المحلات بل هي ما يقرره الزمن حين يقرر ان يرتدي شكلا جديدا ويعيد صياغة طريقة البشر في الظهور امام بعضهم البعض
عندما يولد اتجاه جديد لا يولد من يد مصمم ولا من فكره عارضه بل يولد من لحظة انسانيه لحظة ضجر من التكرار لحظة رغبه في التحرر لحظة مقاومة لصوره قديمه حاولت ان تخنق صاحبها حتى صراخ صامت خرج منها وتحول الى شكل جديد والناس تظن ان الموضه رقصه الاغنياء او لعبه المشاهير لكنها في حقيقتها رغبة الإنسان القديمه في ان يغير جلده دون ان يغير قلبه وان يبدو جديدا دون ان يموت داخليا وان يتنفس بشكل مختلف ولو لمرة واحده في اليوم
القطعه التي ترتديها لا تكون اختيارا عابرا بل تكون نتيجة صراع طويل بين ما تشعر به وما تحاول ان تكونه بين ما تحبه وما تخاف ان ترتديه بين الصورة التي تخفيها والصورة التي تتمنى لو يراها العالم القطعه ليست قماش بل قرار قرار يقول إنني لن اترك الزمن يمر فوقي دون ان ارد عليه بشيء واحد شكلي
وفي عمق عالم الموضه توجد منطقه لا يقترب منها الا القليل منطقه يفهم فيها الانسان ان الموضه ليست عن الشكل بل عن السيطره الانسان يرتدي ليحمي نفسه قبل ان يجمل نفسه يرتدي كي لا يقرأه الاخرون قبل ان يتكلم يرتدي كي يتحكم في الانطباع الاول لان الانطباع الاول هو السلاح الذي يترك اثره قبل ان تنطق شفتاه
الناس يشترون الملابس كأنها شيء منفصل عن حياتهم لكنها ليست كذلك الملابس تسجل ما لا يسجله الكلام تحفظ لحظات الفرح وخطوات الهزيمه واثار الحب والغضب والانكسار كل قطعه موجوده في خزانتك ليست مجرد شيء بل ذكرى تحمل طاقتك كما تحملها الصور وتبقى حتى بعد رحيل كل شيء لان القماش يحتفظ بما لا تحتفظ به الذاكرة
والموضه ليست عدوا كما يراها البعض وليست عبء كما يظن البعض وليست رفاهيه كما يردد البعض بل هي وسيله تنظيم للروح لان الانسان حين يكون ضائعا في الداخل يحاول ان يرتب الخارج وحين يختنق من الفوضى يبحث في شكله عن هواء جديد وحين يشعر انه فقد هويته يبحث عنها في الالوان وفي المقاسات وفي التفاصيل الصغيرة التي تعيد اليه احساسه بنفسه حتى لو كان ذلك من خلال زر صغير او نقشه بسيطه او حذاء جديد
والمثير في عالم الموضه ان كل شيء فيه يعود مهما ابتعد ويولد مهما اختفى ويتجدد مهما مات لان الموضه لا تكره الزمن ولا تخاف منه بل تتغذى عليه كل صيحه كانت ثوره وكل قصه كانت مقاومه وكل شكل كان محاولة للهروب من شيء او الاقتراب من شيء ولذلك لا يوجد شكل نهائي ولا يوجد لون ثابت ولا يوجد طريقه واحده لان الانسان نفسه ليس ثابتا
وفي لحظات الصدق التي يقف فيها الانسان امام المرآه يعرف ان الموضه ليست عن ان يراه الاخرون بشكل جميل بل عن ان يرى نفسه بشكل محتمل شكل يستطيع ان يكمل به يومه دون ان يشعر انه فقد جزءا منه شكل يعبر عنه كما يريد لا كما يريد العالم له ان يكون لأن القماش الذي يخون الروح مهما كان غاليا سيبقى قاسيا والقماش الذي يحتضن الروح مهما كان بسيطا سيبدو كأنه صنع لها وحدها
 تبقى الموضه ليست عالم الالوان ولا عالم الاذواق بل عالم الانسان عالم الروح حين تبحث عن مخرج وحين تبحث عن بداية جديده وحين تبحث عن طريقة تنجو بها من ضجة العالم دون أن تفقد نفسها ويبقى القماش هو اللسان الذي يتحدث نيابة عنا حين تخوننا الكلمات وتظل الموضه ليست ما نلبسه بل ما نعيشه وما نخفيه وما نحلم به حتى لو لم نعلنه

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا