صور… الأم الحاضنة *
ملفينا توفيق ابو مراد
عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين
*
ليست صور الفينيقية ، مدينةً تُروى حكايتها…
بل أمٌّ أنجبت حضارة، وربّت البحر في أحضانها.
منذ حوالي 2750 قبل الميلاد، وقفت هذه المدينة الفينيقية شاهدةً على ولادة المجد،
تُدعى سيدة البحار، لا لقبًا… بل حقيقة نقشها الزمن على أمواجها.
هنا، لم يكن البحر حدودًا… بل طريقًا.
ومن مرافئها، انطلقت سفن حملت الحرف، والتجارة، والحضارة إلى العالم.
مدينة بين برٍّ وبحر… بين قوة وحكمة
لم تكن صور عادية في بنيتها،
فقد انقسمت إلى: جزيرةٍ بحرية منيعة، وبرٍّ يحتضن الموارد والحياة.
ذكاء فينيقيّ جعل من الجغرافيا حصنًا، ومن البحر درعًا… لا خطرًا.
لكن حين جاء الإسكندر الأكبر،
وقف أمامها طويلًا… سبعة أشهر من الحصار، ى لولا مساعدة جبيل و صيدا و ارواد ، ربما بقيت مستعصية عليه .
حتى قرّر أن يغيّر وجه الطبيعة،
فردم البحر… ليصل إليها.
سقطت المدينة…
لكنها لم تُهزم.
- من صدفة… إلى عرش الملوك
في صور، لم تكن الحرفة مجرد عمل، بل إبداع يرتقي إلى الأسطورة.
من صدفة صغيرة، استخرج الفينيقيون اللون الأرجواني،
لون الملوك، لون السلطة، لون التميّز.
ومن رمالها، وُلد الزجاج، فنٌّ شفاف يحمل الضوء… ويعكس حضارة. ومن جبال لبنان، نُحتت السفن،خشب الأرز تحوّل إلى أجنحة بحرية، تجوب المتوسط… وتنشر اسم صور في الآفاق.
صور… حين تُنجب المدن و تبقَ صور داخل حدودها،بل أنجبت مدنًا…وغَرست جذورها في الأرض البعيدة.
منها خرجت قرطاج،وتبعتها مدنٌ على شواطئ المتوسط،
لتقول للعالم: هنا البداية… من لبنان .
الأم الحاضنة
صور ليست حجارةً ولا آثارًا، بل ذاكرة وطن… ونبض شعب.
هي الأم الحاضنة،التي تعلّمنا أن نكون أقوياء كالبحر،راسخين كالصخر ومنفتحين كالأفق.
ورغم كل ما مرّ عليها من حروب، ما زالت تقف…تحتضن الجنوب،
وتهمس للبنان:
أنا هنا… ما زلتُ لك.
في زمنٍ تتعب فيه المدن، تبقى صور شاهدةً أن المجد لا يموت،
بل يتجدّد… في الذاكرة، وفي الانتماء.
٢٠٢٦/٣/٢٩
التعليقات الأخيرة