حوار صحفي مركّزاً على المحتوى التاريخي الثري للأديب عبد الله مهدى عن الجذور التاريخية لعيد شم النسيم
حاورتـه: منى منصور
بينما تتفتح أزهـار الربيع، وتكتسي الأرض بحلتها الخضراء، يعود المصريون كعادتهم منذ آلاف السنين للاحتفال بعيدهم الأقدم "شم النسيم". لكن خلف هذا الاحتفال الشعبي البسيط تكمن أسرار لغوية، وعقائدية، وجذور ضاربة في عمق التاريخ المصري القديم. لفك مشفرات هذا العيد، نلتقي اليوم بالباحث والكاتب الأستاذ عبد الله مهدي، رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، ليبحر معنا في رحلة عبر الزمن، مفسراً دلالات التسمية، وطقوس الأيام السبعة التي تسبق العيد، وفلسفة "مائدة الربيع" عند الأجداد.
في البداية، توقفت كثيراً عند أصل التسمية. هل "شم النسيم" تعبير عربي يصف استنشاق الهواء العليل، أم أن للكلمة جذوراً أعمق في لغتنا الأم؟
الأديب عبد الله مهدي: في الواقع، الاسم هو رحلة لغوية مذهلة. الكلمة مصرية قديمة أصيلة، وأقرب التفسيرات دقة هي أنها مشتقة من (شوم إن نسيم) أي "بستان الزروع". ومع دخول العرب مصر، تطور النطق تدريجياً ليناسب اللسان العربي فأصبحت "شم النسيم". هناك أيضاً من يربطها بكلمة (شيمو) وهي فصل الصيف أو "عيد الخلق وبعث الحياة"، وهو الفصل الذي يوافق نضج المحاصيل والبعث الكوني. المصري القديم لم يكن يكتفي باستنشاق الهواء، بل كان يحتفل بـ "عنخ" أو علامة الحياة التي تتجسد في كل برعم يتفتح في الربيع، معتبراً أن هذا اليوم هو ذاته يوم بدء خلق العالم.
يرتبط شم النسيم دائماً بيوم الإثنين الذي يلي عيد القيامة المجيد. كيف حدث هذا الاندماج التاريخي الفريد بين العيد المصري القديم والتقويم الكنسي؟
الأديب عبد الله مهدي: هذا السؤال يلمس عبقرية الشخصية المصرية في التكيف والاحتفاظ بالهوية. مع انتشار المسيحية في القرن الرابع الميلادي، واجه المصريون معضلة؛ فالعيد كان يقع دائماً في فترة "الصوم الكبير" المليئة بالزهد والنسك، وهو ما لا يتوافق مع بهجة شم النسيم ومأكولاته الاحتفالية. لذا، رأى المصريون تأجيل الاحتفال إلى اليوم التالي لعيد القيامة مباشرة، ليصبح "الإثنين" هو الموعد الثابت لهذا العرس الشعبي. هذا الاندماج يعكس كيف استطاع المصري أن يمزج بين موروثه الفرعوني الضارب في القدم وبين معتقداته الدينية الجديدة في سيمفونية واحدة لا تنقطع.
ذكرتم في دراستكم أن الاحتفال ليس يوماً واحداً، بل هو "دائرة زمنية" متكاملة. هل لك أن تضعنا في أجواء تلك الأيام التي تسبق العيد وما تحمله من دلالات شعبية؟
الأديب عبد الله مهدي: الاحتفال هو "حالة" وجدانية تبدأ من "أحد السعف" حيث يجدل الأطفال الخوص وتُصنع "عروسة القمح" التي تُعلق على الأبواب طوال العام طلباً للبركة. ثم نمر بـ "أربع أيوب" أو "أربع الرعرع"، حيث يغتسل الناس بالنباتات تيمناً بالشفاء والوقاية من الخمول. وصولاً إلى "خميس العدس" الذي ارتبط تاريخياً بـ "خراريب الذهب" في العصر الفاطمي، ثم "سبت النور" وطقس "تكحيل العيون" بماء البصل، ظناً من الأجداد أنه يمنح قوة الإبصار ويطهر العين من "دموع الشتاء" الفاسدة. إنها رحلة تطهير جسدي ونفسي كاملة تسبق لحظة الانطلاق الكبرى يوم الإثنين.
المائدة المصرية في هذا اليوم ليست مجرد طعام، بل هي "لوحة من الرموز". ما الفلسفة التي أراد الأجداد إيصالها عبر البيض والفسيخ والبصل والخس؟
الأديب عبد الله مهدي: كل طبق على المائدة هو "رسالة فلسفية"؛ فالبيض يرمز لخلق الحياة من الجماد، وكان المصريون ينقشون عليه أمنياتهم ويعلقونها في سلال الخوص لتتبارك بنور الإله عند الشروق. أما البصل فهو "إرادة الحياة" وقاهر الموت، ويرتبط بأسطورة شفاء ابن أحد الملوك في منف القديمة. والفسيخ ظهر في الأسرة الخامسة كرمز للخير والرزق المرتبط بالنيل المقدّس، بينما كان الخس (عب) نباتاً مقدساً يرمز للنماء والخصوبة. نحن لا نأكل لمجرد الطعام، بل نلتهم رموز البقاء والازدهار.
أخيراً أستاذ عبد الله، ما الذي تود قوله للمصريين وهم يمارسون هذه العادات اليوم في ظل الحداثة التي نعيشها؟
الأديب عبد الله مهدي: أقول لهم إنكم حين تخرجون للمتنزهات، أنتم تمارسون طقساً عمره يربو على 5000 عام. شم النسيم هو أقدم احتفال شعبي عرفه التاريخ، وهو برهان قاطع على بقاء الجين الثقافي المصري عصياً على المحو. نحن لا نزال نحتفل بذات الروح التي كان أجدادنا يمارسونها وهم يجتمعون أمام واجهة الهرم الأكبر ليشهدوا لحظة جلوس قرص الشمس فوق قمته قبل الغروب، معلنةً بداية دورة جديدة من الحياة والأمل.
في نهاية حوارنا، نتقدم بالشكر الجزيل للأديب والباحث القدير الأستاذ عبد الله مهدي على هذا الإبحار الممتع في تاريخنا الممتد، وعلى ما قدمه لنا من حقائق تزيدنا اعتزازاً بجذورنا المصرية الأصيلة.
التعليقات الأخيرة