news-details
أدب

 ( الحلم )

قصة قصيرة

 ( الحلم )


من مجموعة صدى الارواح

منذ نعومة أظافرها، كانت منى تؤمن أن النجاح لا يُهدى، بل يُنتزع انتزاعًا.

 فشقت طريقها كما تُشَق الجبال بالفؤوس، بيدين ناعمتين، ولكن بإرادة من فولاذ.

 أنهت دراستها من إحدى كليات القمة بتفوق، ومنذ اليوم الأول بعد التخرج، وضعت هدفها نصب عينيها.

لا وقت للعاطفة، لا مجال للضعف، ولا مكان للأحلام الطائشة.

مرت السنوات، ومع كل ترقية ونجاح فى حياتها العملية ، كانت تقطف زهرة جديدة من شجرة النجاح.

 ولكن شيئًا ما بداخلها بدأ يذبل.

 لم يكن ذلك الشئ جفاف في العيون، بل في القلب.

 لم تكن الوحشة في الأماكن، بل في السكون الذي يسبق النوم.

في الليالي الأخيرة لها ، بدأت تحلم...
ليس الحلم بالمعنى العابر، بل ذلك الحلم الذي يتسلل إليك برقة، يهمس في أذنك، ويزرع وردة على وسادتك.

في كل حلم، كان هناك رجل.

وجهه يتغير، لكن إحساسه يبقى حامل دفء، واهتمام، ولهفة لم تعرفها إلا في كتب الروايات القديمة.

 كانت تعيش معه لحظات حب صافية، كلمات خجولة، لمسات مشحونه بالشوق.

 لكن دائمًا، دائمًا، قبل أن تكتمل القصة بالنهاية السعيدة ... تستيقظ

تنهض وهي تلهث، يداها ترتعشان، وعطره ما زال عالقًا على أطراف الحلم.

ومع توالي الأحلام، صارت تنتظر النوم بشغف الأطفال ليلة العيد.

 تتعجّل انتهاء النهار، وتستسلم للفراش كمن يسافر إلى وطن مفقود.

لكنها بدأت تدرك شيئًا فظيعًا وهى :

أن سعادتها الوحيدة أصبحت في عالم لا وجود له.

 وكلما أفاقت، شعرت كأنها تُسحب من بين ذراعي الحياة التي اختارتها.

أصبحت الحياة خارج الحلم جافة، باهتة، بلا نكهة.

 العمل لم يعد له ذاك البريق.

 الزملاء مجرد أصوات بعيدة.

حتى وجهها في المرآة لم يعد يعكس امرأة، بل صدى امرأة كانت.

وفي ليلة قمرية هادئة، حلمت به مجددًا.

كان يجلس معها على شاطئ رملي، يمسك بيدها، يبتسم، ويقول
هذه المرة، لن أترككِ.

شعرت بشيء مختلف.

 كان الحلم أكثر وضوحًا، أكثر حياة.

 لم تعد تشاهد من بعيد، بل تعيش بكل حواسها.

 وفجأة، جاء ذلك الشعور المألوف... الوعي يرتفع، الحلم ينسحب، وخيوط الصبح تتمدد خلف الجفون.

لكن هذه المرة، رفضت الاستيقاظ.

كأنها اكتشفت الزر السري في عقلها الباطن.

 شدّت الحلم من أطرافه، التصقت به، ورفضت العودة.

كل ذرة في جسدها تمردت على الواقع.

 لأول مرة، هي من تتحكم في الحلم، لا هو من يتحكم بها.

قالت له:
"لن أعود.

 هذا مكاني.

هنا وجدت نفسي.

ابتسم، وفتح لها بابًا من نور.
دخلت، ولم تلتفت.

وفي صباح اليوم التالي، لم تذهب منى إلى عملها.

 الهاتف يرن، ولا رد.

 الباب يُطرق، ولا مجيب.

وحين اقتحموا شقتها بعد قلق الأصدقاء، وجدوها على سريرها... عيناها مغلقتان، لكن على وجهها ابتسامة لم يعرفوها من قبل.

لم تكن نائمة.

 كانت تحلم...

بكت صديقات منى ، وسارت بينهم الهمسات ...

 لقد دخلت منى فى غيبوبتها رافضة لواقع كن يحسدونها عليه .

لكن الواقع أن صديقتهم كانت تبحث عن واقع أخر ...

وقد وجدته فى الغيبة ...

غيبة دخلت إليها بكامل إرادتها ...

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا