حقيقة العلمانية: قراءة في المنهج الاجتماعي بين الفكر الحديث والرسالة المحمدية والنهج العلوي
بقلم/عدنان صگر الخليفه
يسود طرحٌ يتبناه المدافعون عن الراديكالية، يختزل العلمانية في كونها فصلاً للقيم الأخلاقية عن الدولة، مستشهدين بنماذج عالمية شابتها "شواذ التطبيق" كما في النموذج الأمريكي. إلا أن العودة إلى جوهر العلمانية كفلسفة اجتماعية صاغها رواد مثل جورج هوليوك، ومقارنتها بالرسالة المحمدية ونهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ فالعلمانية في أصلها ليست استهدافاً للدين، بل هي تنظيم يسعى لتحقيق العدالة الكلية.
لقد نظر علماء الاجتماع للعلمانية كضرورة لتنظيم المجتمع؛ فرأى ماكس فيبر فيها انتقالاً إلى "أخلاق المسؤولية" التي تحكمها النتائج والعدالة، بينما ركز إميل دوركايم على "الأخلاق المدنية" كبديل يجمع المجتمع حول "مقدس جديد" هو كرامة الفرد. هذه الرؤى الحديثة نجد بذورها العميقة قد أرساها النبي الأكرم ﷺ حين قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"؛ وهو تأصيل صريح بأن الأخلاق قيم إنسانية فطرية أقرها الإسلام وجاء ليتممها، مما يعني أن الدولة التي تقوم على العدل والنزاهة تحقق جوهر الرسالة وإن لم ترفع شعاراً أيديولوجياً.
هذا المفهوم التنظيمي الإنساني تجلى بأسمى صوره في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، الذي سبقت ممارسته نظريات الاجتماع بقرون، حين وضع قاعدته الدستورية الخالدة: "فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق". لقد نَقَل أمير المؤمنين معيار الحقوق من العقيدة الخاصة إلى الوجود الإنساني العام، مؤكداً أن أحقية العيش الكريم، والتوازن في العمل البشري -سياسياً كان أم عقدياً- هي حقوق مكفولة للجميع بحد سواء.
إن ما نراه اليوم من محاولات لطمس هذه الحضارة التي أرساها النبي وطبقها أمير المؤمنين، يأتي من جهات تدعي اتباعهما بينما تخالف فعلياً كل ما أمرا به؛ فبينما كان النهج العلوي يشدد على المساواة في العطاء وصون كرامة "النظير"، نجد الواقع الراديكالي يمارس التجهيل الممنهج والاستئثار بالحقوق. لذا، فإن العلمانية -بمفهومها السوسيولوجي والمنهجي الصحيح- تمثل أداة لحماية "مكارم الأخلاق" من التشويه، ومنع استغلال المقدسات كغطاء للفشل. إن الأزمة ليست في العلمانية كفكرة، بل في الازدواجية التي تجعل البعض يدعي الانتماء لحضارة إنسانية عظيمة بينما يمارس في واقعنا ما يناقض جوهرها الحقوقي والأخلاقي.
التعليقات الأخيرة