بـر الأمان أم فـخ "الذئاب الأيتام"؟
بقلم/ عدنان صگر الخليفة
لم تكن الكلمات التي أطلقها "توم باراك" في منتدى أنطاليا للدبلوماسية مجرد قراءة أكاديمية للفشل الديمقراطي في المنطقة، بل هي في جوهرها إيعاز باطني يحدد ملامح المرحلة القادمة، فحين يبشر باراك بنموذج "القيادة القوية" كبديل وحيد للاستقرار، فإنه يضع النقاط على الحروف لأطراف عراقية تنتظر ساعة الصفر للتحرك وفق أجندة مرسومة سلفاً، ونحن هنا لا نجيب على خطاب معلن فحسب، بل نفكك شفرة الأجندة التي يُراد لها أن تعمل في العمق العراقي، ونرسل رداً حاسماً لكل من يظن أن "المكمن العراقي" غائب عما يُحاك في الغرف المغلقة، إن استشهاد باراك بالنموذج السوري وشخصية "أحمد الشرع" كقصة نجاح لدبلوماسية فرض الأمر الواقع، يحمل رسالة مبطنة للقوى المسلحة في العراق مفادها أن الشرعية لمن يسيطر، وهي رؤية تحاول إغراء أطراف عراقية معينة للعب دور "المنقذ القوي" الذي يسحق خصومه لملء الفراغ الذي سيخلفه انهيار المركز الإقليمي الداعم، ولكن ما يغيب عن هذا التخطيط الفوقي هو أن الجمهور العراقي الحقيقي، وليس القطيع المقاد بالشعارات، قد تجاوز مرحلة الانخداع بتبديل الوجوه، فالتغيير الجذري الذي ينشده العراقيون ليس انتقال السلاح من يد ذئب إلى آخر، بل هو الخروج من سياق التبعية بالكامل، وهو ما لا توفره أجندة باراك التي تبحث عن استقرار وظيفي يخدم المصالح الدولية لا المواطن العراقي، وندرك تماماً أن الأطراف التي يراهن عليها هذا المشروع تعيش اليوم حالة من الانسداد الاستراتيجي، فالتحالفات القائمة بين قوى متناقضة العقيدة والمصالح هي تحالفات ضرورة هشة، والطرف المحسوب على النفوذ الإيراني الذي يلمس تداعي مركزه يبحث اليوم عن ضمانات وجودية لا يثق في الحصول عليها من واشنطن المتقلبة، بل ينتظر صك الأمان البريطاني المصدق دولياً، وهذا الانتظار لنتائج الصراع الإقليمي وللضامن البريطاني هو ما يؤجل العمل بالأجندة، لكنه في الوقت ذاته يكشف أن هذه القوى لا تمتلك مشروعاً وطنياً، بل تتحرك كأدوات في رقعة شطرنج دولية تنتظر الأوامر لتبدأ الاقتتال الداخلي المخطط له لإزاحة المنظومة الحالية وإعادة توزيع المغانم، إن أكبر ثغرات رؤية باراك هي تجاهله للمجتمع العراقي، فقد اعتمد في موازينه على من يملك السلاح والمال فقط، متناسياً أن الشعب العراقي لا يرضخ للأمر الواقع المفروض من الخارج، فإذا كان ضجيج السلاح هو ما يتصدر المشهد الآن، فإن المكمن الشعبي هو القوة العظمى التي تحدد الإيرادات الحقيقية للمستقبل، فالشعب العراقي الذي رفض وصاية عام ألفين وثلاثة يدرك اليوم أن الأوامر الفعلية التي أطلقها باراك تهدف لاستباحة ما تبقى من سيادة أرضاً وسماءً وبحراً تحت ذريعة الاستقرار، لذا فإن العراقيين ينتظرون حالة الصفر الخاصة بهم، لا لينخرطوا في صراع "الذئاب الأيتام"، بل لينقضوا على كل أجندة تريد إبقاء العراق رهينة للتبعية والمغانم، فليعلم المهندسون في الخارج وأدواتهم في الداخل أننا نقرأ ما بين السطور ونفهم لغة المصالح التي تحرك هذه الخطابات، وأن بر الأمان لن يتحقق باستنساخ تجارب خارجية فاشلة، بل بفعل وطني خالص يفرضه ممثلو الشعب الحقيقيون، فالتاريخ لن يعيد نفسه كمأساة، ولن يُسمح لأي قوة، مهما بلغ تمويلها النوعي، أن تفرض واقعاً لا يليق بالعراقيين، فالأيام القادمة ستكون الفيصل، والمكمن الشعبي هو من سيضحك أخيراً.
التعليقات الأخيرة