أخبار عاجلة
news-details
مقالات

بناء الإنسان  لبنان بين فكي الصراع،  إنقسام الداخل على إيقاع الخارج، إلى أين قبل السقوط؟

كتب ربيع مينا 

لبنان لا يقف عند حدود أزمة داخلية تدار بخلاف سياسي تقليدي، بل يتموضع في قلب تقاطع حاد بين صراعات الداخل وإرتدادات الإقليم وضغوطات الدولي، حتى باتت أزمته أشبه بعقدة مشدودة بين إرادات متناقضة، إرادة الداخل العاجز عن التوافق، وإرادة الخارج الذي لا ينتظر أحدا".
في ظاهر المشهد، نرى تباينات في المواقف، وإختلافا" في المقاربات، وتوترا" في الإيقاع السياسي.
أما في العمق، فالصورة أكثر تعقيدا"، لبنان يدار اليوم تحت ضغط معادلة مزدوجة، حيث يتداخل الصراع الأميركي و حلفاءه–الإيراني و حلفاءه، بواقع داخلي لبناني هش، فتتحول البلاد إلى مساحة إرتداد لهذا الصراع، لا إلى لاعب فيه.
فالتوتر بين واشنطن وطهران، بما يحمله من إحتمالات تصعيد أو تفاوض، لا يمر مرور الكرام على لبنان.
والإعتداءات المتكررة، والتوترات الأمنية، ليست إلا تعبيرا" عن هذا الإشتباك غير المباشر.
وفي موازاة ذلك، تطرح مسارات تفاوض، مباشرة أو غير مباشرة، حول ملفات حساسة، ما يفتح بابا" إضافيا" للإنقسام الداخلي، بين من يرى في التفاوض ضرورة لحماية لبنان، ومن يعتبره تنازلا" يمس بالثوابت، وهنا تحديدا"، يتعمق الشرخ داخل بنية السلطة نفسها.
يبرز في هذا السياق تباين واضح في المقاربة بين نبيه بري وجوزيف عون، لا بالضرورة كصراع مباشر، بل كإختلاف في قراءة المرحلة وإدارتها.
يميل نبيه بري إلى مقاربة براغماتية تقوم على إدارة التوازنات الدقيقة، وفتح قنوات تواصل غير مباشرة حين تفرض الضرورة، إنطلاقا" من تجربة طويلة في إحتواء الأزمات ومنع إنفجارها.
في المقابل، ينظر إلى جوزيف عون على أنه يميل إلى تثبيت ثوابت الدولة، والتشدد في مقاربة السيادة ومرجعية القرار، مع حساسية أكبر تجاه أي مسار قد يفسر كتنازل أو إنزلاق خارج الإطار الوطني الواضح.
هذا التباين، وإن كان طبيعيا" في سياق ديمقراطي، يصبح خطيرا" حين يتزامن مع لحظة إقليمية ضاغطة.
فلبنان اليوم لا يحتمل إزدواجية في الرسائل، حين يتحدث الداخل بأكثر من صوت، يقرأه الخارج كضعف، ويبنى عليه.
والأخطر أن هذا الإختلاف لا يبقى ضمن المؤسسات، بل يتسرب إلى الشارع، حيث يعاد إنتاجه في شكل إصطفافات سياسية وطائفية، في بيئة مثقلة أصلا" بالأزمات الإقتصادية والمعيشية.
هناك، يصبح كل خطاب عالي السقف شرارة محتملة، وكل تباين سياسي قابلا" لأن يتحول توترا" شعبيا".
ومن هنا، تتعاظم التداعيات.
_ شلل في القرار في لحظة تحتاج إلى وضوح وحسم.
_تآكل في ثقة المواطن بدولة تبدو مترددة أو منقسمة.
_إرتفاع منسوب القلق، حيث تختلط المخاوف الأمنية بالضغوط المعيشية.
_قابلية أكبر لأن يتحول أي حادث إلى أزمة واسعة في ظل هذا الإحتقان.
أما المسارات المحتملة، فتبقى مفتوحة على ثلاثة إحتمالات:
_إما إستمرار هذا التوازن الهش. حيث يبقى لبنان في حالة إستنزاف بطيء، أو إنزلاق إلى توترات أمنية متفرقة، أو إغتيالات لا قدر الله  تستخدم كرسائل ضمن الصراع الإقليمي، أو، في أسوأ السيناريوهات، تلاقي الإنقسام الداخلي مع تصعيد خارجي، ما يدفع البلاد إلى حافة إنفجار أكبر.
ومع ذلك، لا يزال المخرج ممكنا"، وإن كان ضيقا"، ليس عبر إلغاء التباينات، بل عبر ضبطها.
وليس عبر توحيد المواقف بالكامل، بل عبر الإتفاق على حد أدنى يحمي البلاد من الإنزلاق.
لبنان اليوم بحاجة إلى لحظة وعي سياسي حقيقي، أن يدار الخلاف تحت سقف الدولة، لا على حسابها،
وأن تقدم حماية الداخل على أي اصطفاف خارجي، وأن يتحول التباين من عنصر إرباك إلى عنصر توازن، لا عنصر تفجير.
لبنان ليس ضحية صراع واحد، بل تقاطع صراعات، وليس الخطر في إختلاف رجالاته، بل في عجزهم عن تحويل هذا الإختلاف إلى قوة.
فإما أن يلتقي العقل السياسي عند حد إنقاذ الوطن، وإما أن يستمر كل طرف في شد الحبل باتجاهه، وعندها، لن ينقطع الحبل بين الأطراف، بل سينقطع بما يحمله، ويسقط الوطن.
بناء الإنسان 
ربيع مينا

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا