news-details
مقالات

الإسلام دين الفكر والعقل

بقلم / محمــد الدكــروري
اعلموا أن الإسلام دين الفكر، ودين العقل، ودين العلم، وحسبنا أن رسوله المصطفي صلي الله عليه وسلم لم يقدم حُجة على رسالته، إلا ما كان طريقها العقل والنظر والتفكير، وقد ارتفَع القرآن بالعقل، وسجل أن إهماله في الدنيا سيكون سببا في عذاب الآخرة فقال حكاية لما يجري على ألسنة الذين ضلوا ولم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والعمل به، ومن هنا يقول الله تعالى فى سورة الملك " لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير" وكذلك ارتفع بالعلم، وجعل أهله في المرتبة الثالثة بعد الله والملائكة، فقال تعالى فى سورة آل عمران " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم فائم بالقسط" ثم جعلهم وحدهم هم الذين يخشون الله من عباده، بما أدركوا من آثار قدرته وعظمته، فقال بعد أن لفت الأنظار إلى نعم الله وآياته، قال تعالى " إنما يخشى الله من عباده العلماء" ومن هنا كثرت آيات القرآن الواردة في ذم التقليد، وجري الخلف وراء السلف دون نظر واستدلال. 




هؤلاء الذين ورثوا عقائدهم وآراءهم عن آبائهم وأجدادهم، لا لشيء سوى أنهم آباؤهم وأجدادهم، وكأنهم يرون أن السبق الزمني يخلع على خطة السابقين وآرائهم في المعتقدات، وإفهامهم في النصوص قداسةَ الحق وسلطان البرهان، فالتزموها وتقيدوا بها، وسلبوا أنفسهم خاصة الإنسان خاصة البحث والنظر وفي هذا الشأن، وقد حكى عنهم الجمود على ما كان عليه سلفهم، فهم يرثون أفكارهم وآراءهم، كما يرثون عقارهم وأرضهم، وحكي عنهم اكتفاءهم بمعتقداتهم الموروثة، ووقوفهم بأنفسهم عندها، دون أن يتجهوا إلى الترقي والتدرج في العلم والعمل، ولا شك أن كلا الموقفين الجمود عند الموروث والاكتفاء به مصادم لما تقضي به طبيعة الكون، وطبيعة كل حي من النمو والتوليد، والتناسل الفكري كالتناسل النباتي والحيواني والإنساني، كلاهما شأن لا بد منه في الحياة، ولو وقَف التناسل الفكري، لارتطم الإنسان في حياته بكثرة ما تلد الطبيعيات التي هو منها. 





وعندئذ يعجز عن تدبير الحياة النامية التي لم يقدر لها النماء إلا خدمة له وسبيلا لخيره ونفعه، فيتحقق فشله في القيام بمهمة الخلافة الأرضية التي اختير لها، ووكلت إليه منذ القدم، فإن الجمود على آراء المتقدمين، وخططهم في العلم والمعرفة، وأسلوبهم في البحث والنظر جناية على الفطرة البشرية، وسلب لمزية العقل التي امتاز بها الإنسان، وإهدار لحجة الله على عباده، وتمسك بما لا وزن له عند الله، ولقد نشأ المسلمون في ظل ما قرره الإسلام، ودعا إليه القرآن الكريم، ففكروا وبحثوا وتعقلوا، وطلبوا البرهان، وأنكروا التقليد، فسادوا وسادت بهم الأمم، ثم لأمر ما انقلبوا على رؤوسهم، وتعفنت أمعاؤهم، وتولدت في أدمغتهم حُمّى التقليد، فجهلوا أنفسهم، وجهلوا الكون، وجهلوا الحياة، وتفرقوا في دين الله، وكانوا شيعا، فأبطلوا حجة الله على خلقه، وصاروا حجة على دينه وشرعه، وزعموا أن لآبائهم عصمة تمنعهم من النظر في أقوالهم، وبذلك لبس الدين فيما بينهم أثوابا مختلفة الألوان. 




مختلفة النسج، وراجت عند الجميع البدع والخرافات، وعقدت على دين الله غبارا كثيفا، فنفر الناس منه، وأعرضوا عنه، واتهموه بالاضطراب بين حلال وحرام، وصحيح وفاسد، وقوي وضعيف، وأخذوا يتأهبون للخلاص، ناقمين على طوائف الدين مواقفهم من موروثاتهم التي جعلته في جانب، وحياة الناس في جانب آخر، ألا فليعلم هؤلاء جميعا أن صدر الحياة الذي يتسع كل يوم وكل ساعة أصبح غير قابل لضغط تضيق به رقعته، ويرجع إلى أغلال الموروثات الأولى، فلينظروا في أي وضعٍ يكونون، وعلى أي منهجٍ يسيرون حتى يحفظوا لله شرعه، ويقيموا له دعوته، فهذا هو التكامل بين ما هو فطري، وما هو مكتسب بالعلم المجرد من الهوى، هو أكمل العقل وأتمه، فهذا الذي يوفقه الله للفهم الصحيح مع وجود الإيمان الفطرى الذي جُبلنا عليه، وبذلك قال ابن الجوزى رحمه الله أيضا فإن أعظم النعم على الإنسان العقل لأنه الآلة في معرفة الإله سبحانه والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل. 





فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة، رأت الشمس، فالعقل يساعد على فهم الشرع، لا كما يظن الناس، أن الأحكام الشرعية قد تنعقد من عقولهم وأفهامهم، إنما هي مُحكمة من عند المشرع، فقال الله تعالى فى سورة الأحزاب" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا" وكما صح عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال "لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه" فالمسألة فيها تسليم مطلق لما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا