ي
في عالم النفط، لا تقع الزلازل الكبرى فجأة، بل تبدأ دائماً بشقوق صغيرة لا يراها أحد. وما يبدو اليوم مجرد خلاف على حصص الإنتاج داخل أوبك قد يكون في الحقيقة بداية تحوّل أعمق في شكل النظام النفطي العالمي كله. ولهذا، فإن الحديث عن انسحاب الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ لم يعد مجرد سيناريو افتراضي بعيد، بل سؤالاً مشروعاً وواقعا تفرضه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة في المنطقة والعالم.
الحقيقة أن العلاقة بين أبوظبي وأوبك دخلت مرحلة التوتر الصامت منذ مفاوضات عام 2021، حين طالبت الإمارات العربية المتحدة بإعادة احتساب خط الأساس الإنتاجي بما يتناسب مع طاقتها الفعلية واستثماراتها الضخمة في قطاع النفط. يومها نجحت في انتزاع تسوية رفعت حصتها نسبياً، لكنها لم تكن أكثر من هدنة مؤقتة داخل منظومة تتزايد تناقضاتها عاماً بعد آخر. فالإمارات العربية المتحدة عبر شركة أدنوك ضخت استثمارات هائلة تجاوزت 150 مليار دولار بهدف رفع قدرتها الإنتاجية إلى خمسة ملايين برميل يومياً بحلول 2027، وهو هدف استراتيجي يصعب التوفيق بينه وبين سقوف إنتاج صارمة تُفرض ضمن آلية جماعية تراعي ظروف واحتياجات اقتصادات نفطية مختلفة. ومن هنا بدأ التناقض الحقيقي: لماذا تستثمر دولة مليارات الدولارات لتوسيع إنتاجها ثم تُمنع من استخدام هذه القدرة بالكامل؟
لكن الاقتصاد وحده لا يفسر المشهد. فالشرق الأوسط نفسه تغير، ومعه تغيرت حسابات الطاقة. فمنذ تصاعد التوترات في الخليج وتزايد المخاطر الأمنية في مضيق هرمز، باتت دول المنطقة تدرك أن أمن الإمدادات لم يعد قضية تجارية فحسب، بل قضية سيادة وطنية. فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية أصبح في السنوات الأخيرة ساحة ضغط جيوسياسي مفتوحة، ما جعل أي قيود إضافية على الإنتاج تبدو بالنسبة لبعض المنتجين نوعاً من التقييد المزدوج: قيود جغرافية تفرضها التوترات الأمنية، وقيود سياسية تفرضها حصص أوبك. وفي خضم هذه المعادلة المعقدة برز عامل آخر أكثر حساسية، العلاقة مع السعودية. فمنذ عقود، قادت الرياض منظمة أوبك باعتبارها المنتج المرجّح وصاحبة الثقل الأكبر داخل المنظمة، لكن السنوات الأخيرة شهدت تبايناً متزايداً في الأولويات بين البلدين. فالسعودية المنخرطة في مشاريع اقتصادية عملاقة مثل “رؤية 2030” و”نيوم”، تحتاج إلى أسعار نفط مرتفعة نسبياً لتمويل خطط التحول الاقتصادي والإنفاق الضخم. أما الإماراتالعربية المتحدة التي نجحت إلى حد كبير في تنويع اقتصادها وتعزيز قطاعات المال والخدمات والتجارة والسياحة، فتبدو أقل اعتماداً على سعر نفطي مرتفع، وأكثر اهتماماً بتوسيع حصتها السوقية وتعظيم صادراتها على المدى الطويل. ومن هنا لم يعد الخلاف داخل أوبك مجرد نزاع تقني حول أرقام الإنتاج، بل تعبيراً عن اختلاف في الرؤية الاقتصادية نفسها. الرياض تنظر إلى النفط باعتباره أداة لتحقيق الاستقرار السعري وتعظيم الإيرادات، بينما تميل أبوظبي إلى رؤية أكثر مرونة تقوم على زيادة الإنتاج والحفاظ على الحصة السوقية في عالم يتغير بسرعة.
وهنا تظهر الطبقة الأعمق في المشهد: التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. فالدول النفطية الكبرى تدرك أن العقود المقبلة قد لا تشبه العقود الماضية، وأن الطلب العالمي على النفط لن يبقى في حالة صعود دائم مع التوسع المتسارع في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وسياسات خفض الانبعاثات الكربونية. ولهذا لم تعد بعض الدول تفكر بعقلية “الحفاظ على الاحتياطي للأجيال القادمة”، بل بعقلية مختلفة تماماً: بيع أكبر كمية ممكنة قبل أن تبدأ نافذة النفط بالانكماش تدريجياً.
بهذا المعنى، فإن الصراع داخل أوبك لم يعد صراعاً على الأسعار فقط، بل صراع على الزمن نفسه. من ينتج أكثر اليوم قد يحتفظ بحصته غداً، ومن ينتظر كثيراً قد يجد نفسه لاحقاً أمام سوق عالمية أصغر وأكثر تنافسية.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الصراع الدولي الأوسع بين الولايات المتحدة والصين. فواشنطن تنظر إلى استقرار أسواق الطاقة باعتباره جزءاً من معركتها ضد التضخم العالمي وحماية الاقتصاد الأمريكي، فيما تعمل بكين على تعزيز نفوذها الاقتصادي والاستثماري في الخليج باعتباره الشريان الحيوي لأمنها الطاقوي. وبين القوتين، تبدو الإمارات العربية المتحدة وكأنها تبني سياسة أكثر استقلالية، تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان الكامل لأي محور دولي.
أما بالنسبة لسوق النفط، فإن التأثير المباشر لأي انسحاب إماراتي محتمل من أوبك قد لا يكون فورياً أو دراماتيكياً، لأن رفع الإنتاج يحتاج إلى وقت واستعدادات تقنية واستثمارية. لكن التأثير الأخطر يكمن في الرسالة السياسية التي سيبعثها القرار. فأوبك ليست مجرد مؤسسة لتحديد الحصص، بل منظومة توازنات وثقة ومصالح متشابكة بُنيت خلال عقود طويلة. وحين تبدأ دولة بحجم الإمارات بالتشكيك في جدوى هذه المنظومة، فإن السؤال الذي سيظهر فوراً داخل الأسواق لن يكون: كم ستنتج الإمارات؟ بل: من سيكون التالي؟
وهنا تحديداً تكمن خطورة المشهد. فالعالم قد يكون أمام بداية انتقال تدريجي من سوق نفط تُدار جماعياً عبر التفاهمات والتحالفات، إلى سوق أكثر حرية لكن أيضاً أكثر اضطراباً وتقلباً. أي تراجع في قدرة أوبك على ضبط المعروض العالمي سيعني ارتفاع حساسية الأسعار تجاه الأزمات السياسية والحروب والاضطرابات الجيوسياسية، وهو ما قد يعيد العالم إلى دورات حادة من الصعود والهبوط السعري. في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الإمارات العربية المتحدة ستغادر أوبك أم لا، بل ما إذا كان النظام النفطي الذي عرفه العالم طوال العقود الماضية قادراً أصلاً على البقاء بصيغته الحالية. فالعالم يتغير، وأسواق الطاقة تتغير، وحتى التحالفات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك. وفي خضم هذا كله، تبدو أبوظبي وكأنها تحاول التكيف مبكراً مع عالم ما بعد النفط التقليدي، واضعةً مصالحها الوطنية وحصتها المستقبلية فوق أي اعتبارات أخرى. وربما لهذا السبب تحديداً، فإن ما يبدو اليوم مجرد خلاف داخل أوبك قد يُقرأ بعد سنوات باعتباره اللحظة التي بدأ فيها النظام النفطي القديم بالتصدع بصمت.
59 عاماً في دقيقة.. هل تغادر الإمارات أوبك وتعيد رسم خارطة النفط؟
بقلم: د سلام عيدان مرزوك الخيكان
التعليقات الأخيرة