news-details
مقالات

الطبع يغلب التطبّع.. رحلة الصدق مع النفس نحو التغيير الحقيقي

بقلم :جيهان عطيه سويلم 

يقول الله تعالى: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ 

وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾، صدق الله العظيم.

تبقى هذه الآية الكريمة من أعظم المرايا التي يرى الإنسان فيها حقيقته كما هي، بعيدًا عن التبريرات والأعذار والصور التي يحاول أن يرسمها لنفسه أمام الآخرين. فمهما تعددت المبررات، ومهما ألقى الإنسان من أعذار، تبقى النفس في أعماقها عارفة بحقيقتها، ومدركة لما تخفيه من نقاط قوة وضعف، وما حققته من تقدم أو ما زالت تعيشه من تقصير.

ومن هنا تبدأ رحلة التغيير الصادقة، فالتغيير الحقيقي لا يكون بادعائه، ولا بإلقاء اللوم على الظروف أو الأشخاص من حولنا، بل يبدأ بمواجهة النفس كما هي، والاعتراف بعيوبها قبل البحث عن أخطاء الآخرين، وبمراجعة السلوك قبل انتقاد سلوك الغير.

وهنا تبدأ رحلة النضج الحقيقية.

كثيرون يتحدثون عن التغيير، وقليلون من يمارسونه فعلًا. فالتغيير ليس كلمات تُقال، ولا منشورات تُكتب، ولا صورة جديدة يحاول الإنسان أن يظهر بها أمام الناس. التغيير الحقيقي يُختبر في المواقف اليومية، عندما تتعارض الرغبة مع الطبع، وعندما تتطلب الحياة سلوكًا مختلفًا عما اعتاده الإنسان لسنوات طويلة.

ولهذا قيل: الطبع يغلب التطبّع.

فالإنسان قد يتصنع بعض الصفات لفترة مؤقتة، وقد ينجح في إخفاء طباعه لبعض الوقت، لكن المواقف الحقيقية تكشف ما استقر في داخله. ولذلك فإن من أراد تغيير طبع متجذر فيه، لا يكفيه الحديث عن التغيير، بل عليه أن يجبر نفسه على ممارسة السلوك الجديد مرة بعد أخرى، حتى يتحول مع الوقت إلى عادة راسخة وجزء من شخصيته.

إن الممارسة الإجبارية هي الجسر الذي يعبر به الإنسان من الرغبة إلى الحقيقة. أما الاكتفاء بالشعارات والكلمات الجميلة فلا يصنع تغييرًا حقيقيًا، بل يمنح صاحبه شعورًا زائفًا بالإنجاز.

وخلال هذه الرحلة قد يتعرض الإنسان للفشل مرات عديدة، وقد يقع في الخطأ الذي يحاول التخلص منه، وهذا أمر طبيعي في طريق النمو والتطور. لكن غير الطبيعي أن يكرر السلوك نفسه باستمرار، ثم يصر على إقناع نفسه والآخرين بأنه تجاوز ذلك السلوك وأصبح شخصًا مختلفًا.

ومن أكثر العقبات التي تعطل رحلة التغيير أن ينشغل الإنسان بعيوب الآخرين بدلًا من مراجعة ذاته. فبعض الأشخاص لا يراجعون أنفسهم بصدق، بل يوجهون أصابع الاتهام إلى غيرهم، ويرون أخطاءهم منعكسة في الآخرين، وينكرون وجودها في ذواتهم، حتى يصدقوا الصورة المثالية التي رسموها لأنفسهم.

لكن الوعي الحقيقي لا يعمل بهذه الطريقة، فالإنسان الناضج لا يستهلك طاقته في مراقبة الناس، بل يوجهها إلى إصلاح نفسه وتطويرها. فهو يعلم أن أعظم معركة يخوضها ليست مع الآخرين، وإنما مع نقاط ضعفه وعاداته القديمة.

وعندما يستمر الإنسان في التدريب والممارسة والصبر، يصل إلى مرحلة مهمة جدًا، وهي أن يصبح السلوك الجديد تلقائيًا ومستقرًا. عندها لا يحتاج إلى إعلان تغيّره أو الدفاع عنه، لأن الأفعال تتحدث عنه، والواقع يشهد له، والناس تلمس أثر التحول في تصرفاته قبل كلماته.

فليس كل من تحدث عن التغيير قد تغيّر، وليس كل من ادّعى الوعي قد وعى نفسه. فبين الادعاء والحقيقة مسافة طويلة لا يقطعها إلا الصدق مع النفس، والممارسة المستمرة، ومواجهة العيوب بدل إسقاطها على الآخرين.

إن الوعي الحقيقي ليس أن ترى عيوب الناس بوضوح، بل أن ترى عيوب نفسك بصدق. وليس أن تكتشف أخطاء الآخرين، بل أن تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائك والعمل على إصلاحها.

وهذه ليست رسالة لوم، بل رسالة وعي. فالإنسان لا يرتقي حين ينشغل بالحكم على الآخرين، وإنما يرتقي حين يراجع نفسه بصدق، ويسألها السؤال الأصعب: هل تغيرت حقًا، أم أنني فقط اعتدت الحديث عن التغيير؟

فكل إنسان بصير بنفسه، وإن كثرت مبرراته، وكل إنسان يعرف في أعماقه المسافة بين ما يدّعيه وما يعيشه واقعًا. ومن تلك اللحظة الصادقة تبدأ رحلة النضج الحقيقية، وتبدأ معها خطوات التحول الحقيقي نحو نسخة أفضل من الذات.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا