هناك أشياء كثيرة يتعلمها الإنسان في حياته لكن أصعب ما يتعلمه هو كيف يعيش بعد الغياب كيف يواصل أيامه بشكل طبيعي بعد أن يفقد وجودا اعتاد عليه وكيف يقنع قلبه أن الطريق ما زال ممتدا رغم أن شخصا كان يمثل جزءا كبيرا من هذا الطريق لم يعد موجودًا كما كان
بعد الغياب تتغير التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة يصبح للصمت صوت مختلف وللأماكن معنى مختلف وللذكريات حضور أقوى من الواقع نفسه يجد الإنسان نفسه يتذكر أشياء لم يكن ينتبه إليها من قبل كلمة قيلت على عجل أو ضحكة مرت دون اهتمام أو لحظة عادية تحولت مع الوقت إلى كنز لا يقدر بثمن
الغياب لا يأتي وحده بل يحمل معه الشوق والحنين والأسئلة التي لا تنتهي يحمل معه تلك الرغبة المستمرة في العودة إلى لحظة قديمة لتغيير كلمة أو تأجيل وداع أو إطالة لقاء لكن الزمن لا يعود والخطوات التي مضت لا يمكن استرجاعها مهما حاولنا
ومع مرور الأيام يكتشف الإنسان أن الغياب لا يعني النسيان وأن الأشخاص الذين تركوا أثرا حقيقيا لا يرحلون بالكامل بل يبقون في تفاصيل الحياة في العادات التي تعلمناها منهم وفي المواقف التي تذكرنا بهم وفي الكلمات التي ما زالت تتردد داخلنا كلما احتجنا إليها
بعد الغياب يصبح القلب أكثر فهمًا لمعنى الوقت وأكثر تقديرا للحظات البسيطة التي كان يمر عليها دون انتباه ويتعلم أن الأشياء الجميلة لا تدوم للأبد لكنها تترك أثرا يكفي ليعيش طويلا وأن قيمة الأشخاص لا تعرف دائما وهم معنا بل تظهر بوضوح عندما نفتقد وجودهم
ورغم أن الحنين يبقى حاضرا فإن الحياة تستمر وتمنح الإنسان قوة لم يكن يعلم أنها بداخله قوة تجعله ينهض كل صباح ويكمل طريقه ويحمل ذكرياته معه دون أن يسمح لها بأن تمنعه من العيش أو من استقبال أيام جديدة قد تحمل له ما يعوض بعض ما فقد
يبقى الغياب واحدا من أكثر التجارب التي تنضج الإنسان لأنه يعلمه أن لا يؤجل مشاعره ولا يؤجل كلماته الجميلة ولا يؤجل اهتمامه بمن يحب فالحياة أقصر من أن نعيشها على وعد دائم بلقاء آخر وقد لا تأتي الفرصة التي ننتظرها أبدا ولذلك تبقى المحبة الصادقة هي الشيء الوحيد الذي لا يندم الإنسان على منحه للآخرين مهما كانت النهاياتيا
بعد الغياب
بقلم/نشأت البسيوني
التعليقات الأخيرة