منطلق المنهج والمكاشفة الوطنية
لا تنبع أزمات الدول الرصينة من شُحّ الإمكانيات أو غياب الشخوص فحسب، بل تبدأ بالدرجة الأولى من أزمة المفاهيم وضياع التعريفات الحاكمة للمجال العام. إن أي نقاش جاد حول إصلاح الدولة ومؤسساتها في العراق يجب أن يواجه الحقيقة الشجاعة التي تفيد بأن ضياع التعريف هو بداية ضياع البوصلة، وضياع البوصلة يقود بالضرورة إلى اختلال المسار وانحراف الأهداف.
منذ عام ألفين وثلاثة، تعرضت البيئة الفكرية والاجتماعية في العراق إلى عملية تشويه ممنهجة قادتها قوى المحاصصة والتغانم الحزبي، بهدف تجريد المجتمع من عناصر قوته ووحدته وتفكيك كتله الحرجة إلى هويات فرعية ضيقة. ومن هنا، انطلق اتحاد القبائل العراقية منذ عام ألفين وواحد وعشرين، ليس كحراك عابر أو غطاء سياسي يبحث عن موطئ قدم في سوق المغانم الحزبية، بل كمشروع فكري وتنظيمي واجتماعي متكامل، بُني على أساس المأسسة والتقنين واسترداد الهوية الوطنية الجامعة.
معركة المفاهيم واسترداد البوصلة المعرفية
إن أولى خطوات الخلاص تكمن في تحرير المصطلحات من أيدي النخب الكلامية المزيفة التي صُنعت في كواليس القرار واعتلت المنابر كأبواق للصراخ دون منجز أو برنامج حقيقي. إن هؤلاء الذين يعزلون أنفسهم في بروج عاجية محتكرين وصف النخبة وممارسين للاستعلاء الفكري عبر صمّ القواعد الشعبية والمطالب الميدانية بوصف الشعبوية كذريعة للإقصاء، هم الخاسرون دائماً؛ لأنهم يفتقرون للعمق والامتداد الواعي.
إننا في اتحاد القبائل العراقية نعيد صياغة المفهوم ليعود إلى حاضنة الكرامة واحترام الذات المجتمعية؛ فالانتقال البنيوي يجب أن يسير من صيغة المفرد الإقصائية إلى صيغة الجمع والتعددية المتمثلة في نخب المجتمع. فالنخبة ليست لقباً سلطوياً أو موقعاً وظيفياً يجري احتكاره، بل هي نتاج المنجز والتأثير الأخلاقي والمعرفي، وطليعة كفوءة متجذرة في كل مفصل من مفاصل الوطن، سواء كانت أكاديمية، أو قبلية، أو عمالية، أو فلاحية، أو شبابية، أو نسوية.
كسر النرجسية الفردية وسيادة الخطاب الجمعي
إن قوة القضية الوطنية تكمن في مغادرة لغة الفرد والتكاثر اللفظي لـ الأنا، والتمسك بقوة الخطاب الجمعي المشترك نحن؛ تلك الـ نحن التي تستمد هيبتها ورصانتها من الثقل الاجتماعي والشرعية الحقيقية التي تمثل المجموعة وتدافع عنها. إن تجاوز آفة النرجسية الفردية يتطلب اعتذاراً شجاعاً للذات ومراجعة شاملة للمفاهيم، للتحول من العمل الفردي المنكفئ إلى طاقة العمل الجماعي المشترك الذي يضع مصلحة المجموع فوق كل اعتبار.
حين يتحدث الاتحاد بصيغة الـ نحن, فإنه يتحدث بلغة العراق بأجمعه، بعيداً عن الغايات الفئوية أو المكاسب الضيقة. هذا التمكين للخطاب المشترك هو السد المنيع ضد محاولات التفتيت والاستضعاف، وهو القاعدة الصلبة التي تلتقي عليها الإرادات الحرة لتقديم نموذج وطني رصين يستبدل الوجاهة الزائفة بالمنجز الحقيقي على أرض الواقع.
تزاوج الأفكار وتحقيق الذكاء الجماعي
إن انغلاق أي فئة نُخبوية على نفسها يورثها الضعف والعزلة ويجعل طروحاتها مجرد نظريات ميتة حبيسة الغرف المغلقة. لا يمكن للأفكار أن تثمر ما لم تتلاقى في مساحات عمل وتكامل تجمع شتات الرؤى وتوحد الغايات لصناعة التغيير الفعلي.
تحقق وثيقة الخلاص من خلال إحداث تزاوج فكري حقيقي وتكامل في الزوايا الرؤيوية، حيث تلتقي حكمة ورصانة الرمز الاجتماعي والقبلي، مع علم الأستاذ الأكاديمي، وخبرة المهني والعامل، وتطلعات الشباب المنفتح على علوم العصر. هذا التلاحم ينتج ذكاءً جماعياً قادراً على تفكيك الأزمات واقتراح الحلول العملية، مما يضمن خروج رؤية وطنية شاملة تغطي كافة الزوايا السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتنظيمية.
الهوية الحداثية للقبيلة المعاصرة
يرفض الاتحاد رفضاً قاطعاً تلك الصورة النمطية الجامدة التي تحاول قوى السلطة حبس القبيلة العراقية في أطرها، أو تهميش دورها بادعاء الدونية والتهديم، أو تصويرها ككيان منكفئ على الأعراف الميدانية القديمة فقط. إن القبيلة في مفهومنا هي النواة الحية والمُصغّر الواقعي للمجتمع العراقي بأكمله، والوعاء الشامل الذي تنتمي إليه وتخرج من حواضنه وعوائله كل كفاءات الدولة وطاقاتها.
إن هذه الهوية الحداثية تتجلى في احتضان القبيلة للطبيب، والمهندس، والأستاذ، والشاب المتطلع للمستقبل، إلى جانب التركيز الاستراتيجي الفلسفي على الدور القيادي والبنيوي للمرأة العراقية كشريكة مهنية وفكرية كاملة في هندسة وعي الأجيال وصناعة القرار الاجتماعي. القبيلة المعاصرة هي مؤسسة أمان واجتماع وطني، تحمي الكفاءة، وترعى المعرفة، وتتحول إلى ركيزة أساسية من ركائز بناء الدولة الحديثة.
استراتيجية المأسسة والتقنين في مواجهة ثقافة التغانم
لقد اصطدم مشروع الاتحاد منذ انطلاقه الفعلي والتنظيمي عام ألفين وواحد وعشرين بنظام المحاصصة والتغانم الحزبي الذي بنيت عليه جغرافيا السياسة في العراق بعد عام ألفين وثلاثة. وحيال هذا الصدام، حاولت المنظومة الحاكمة إما استقطاب الاتحاد واحتوائه لشرعنة وجودها، أو عرقلة مسيرته بوضع العصي في العجلات خوفاً من استقلاليته وصلابة خطابه المعرفي والميداني.
لكن الرد الاستراتيجي تمثّل في التمسك الصارم بمشروع المأسسة والتقنين، وصياغة الأنظمة الداخلية والأهداف الواضحة التي حظيت بدعم وتواقيع النخب والأكاديميين وشيوخ الأصالة من الشمال إلى الجنوب. وفي هذا السياق، يبرز الرفض المطلق للكيانات الهجينة والمصطنعة، مثل مجلس القبائل والعشائر، والكيانات السياسية البديلة التي صُممت في أروقة السلطة لترسيخ المحاصصة وتأميم القرار الاجتماعي وتجييره لصالح أحزاب السلطة.
الفاعلية السياسية والمقاطعة الاستراتيجية الواعية
إن الفاعلية السياسية لا تعني الانجرار الأعمى وراء آليات انتخابية مشوهة صُممت خصيصاً لإعادة تدوير نفس الوجوه والمنظومات المأزومة. إن القوانين الانتخابية السابقة لم تكن إلا أدوات لترسيخ ثقافة المغانم عبر المال السياسي وشراء الأصوات والمشاريع الوقتية الفاشلة، وهي قواعد ثبت فسادها وعدم جدواها في صيانة سيادة الوطن وبناه التحتية واقتصاده بشهادة الواقع والمواقف الإقليمية والدولية.
بناءً على ذلك، اتخذ الاتحاد بمختلف نخبه موقف المقاطعة الاستراتيجية الواعية كفعل سياسي وطني مسؤول يرفض منح الشرعية لمنظومة تفتقر للحلول وتقتات على الأزمات. إن هذه المقاطعة ليست انكفاءً أو سلبيّة، بل هي أداة ضغط حاسمة تشترط كبوابة إلزامية تشريع قوانين انتخابية جديدة وعادلة تصون الإرادة الحرة للمواطن، وتتيح للشخصيات الحقيقية والكفاءات المستقلة الصعود لتمثيل الشعب وحماية مقدراته.
حتمية الندية والمواجهة مع التغيير الروائي
تتولد حالة الخوف والقلق لدى الحكومات والأحزاب السياسية من إفساح المجال للاتحاد للعمل بحرية؛ لأنها ترى فيه الند والمنافس الفعلي المستقل الذي يهدد وجودها وعروش نفوذها المبنية على التفرقة. إن السلطة تدرك أن الاتحاد يمتلك الامتداد الجماهيري والغطاء المعرفي الذي يجعله قادراً على سحب البساط الأخلاقي والوطني من تحت أقدامها.
وهنا تبرز حتمية الندية والمواجهة فكرياً وقانونياً لكشف زيف التغيير الكلامي والروائي الشعاراتي الذي تطرحه قوى السلطة في مواسم الانتخابات دون تطبيق ملموس. ويقدم الاتحاد بدلاً منه المفهوم الحقيقي والجذري للتغيير المراد من قبل الشعب العراقي بكافة نخبه، لكون الاتحاد هو الخيمة والوعاء الحاضن لهذه الكتل الحرجة والمستقلة خارج خطوط الاحتواء والتبعية الحزبية.
الصدام البنيوي مع جغرافيا المحاصصة ومواقع السلطة
إن تشخيص معوقات بناء الدولة العراقية بعد عام ألفين وثلاثة يضعنا أمام مواجهة حتمية مع الأساس الذي اعتمدت عليه هندسة الحكم، ألا وهو نظام المحاصصة الحزبية والفئوية. لقد قاد هذا النظام بعض مؤسسات الدولة ومواقع السلطة النافذة إلى إشهار الرفض لعمل هذا الاتحاد والتضييق عليه؛ وذلك لكون الاتحاد في أصله وجوهره لا يمتثل لأعراف المحاصصة ولا يدخل في حساباتها التمزيقية.
تستمد تلك الجهات والأحزاب عداءها للمشروع من كونها عملت على تمزيق البنية الأساسية للمكون العراقي عبر تجزئته قسراً إلى مذاهب وطوائف وأديان متباينة لتبرير تقاسم المغانم. بالمقابل، يقدم الاتحاد نموذجاً توحيدياً جامعاً يلتف فيه العراقيون بكافة أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم حول خيمة وطنية واحدة يديرونها بأنفسهم بكفاءة ونزاهة. من هنا، ترتئي أحزاب السلطة منع إيجاد هذه الخيمة الجامعة ومحاربتها؛ لعلمها اليقين أن اجتماع العراقيين على رأي واحد وصف وطني مشترك سيهدم بالضرورة كل ما بنته من عروش وامتيازات قامت على حساب مقدرات العراق وثروات شعبه.
عقيدة المكون العراقي الواحد والغطاء الحكومي الرسمي
إن الميثاق الوطني المكتوب بالتواقيع والعهود الأصيلة لشيوخ ونخب العراق من شماله إلى جنوبه، يُمثّل الإعلان الرسمي والنهائي لهوية اتحاد القبائل العراقية كدولة مصغرة عابرة لكل مشاريع التقسيم والتشظي. إن هذا البنيان يستند إلى نسف مصطلح المكونات المفخخ الذي استوردته وكرّسته أحزاب المحاصصة لسرقة السلطة من المجتمع العراقي وتفتيت نسيجه، وإحلال المفهوم الحقيقي الأصيل محله المتمثل في المكون العراقي الواحد والمواطنة المطلقة.
المواطن العراقي في شمال الوطن يحمل تماماً ما يحمله أخوه في الجنوب، والشرق، والغرب من حقوق وواجبات وكرامة إنسانية، ولا يوجد أي تمييز أينما حل الإنسان ومن أي مذهب أو دين يتأصل به؛ فالتنوع ثراء يتأصل في جسد الهوية الجامعة وليس أداة للتجزئة. لقد حقق الاتحاد عبر هذا التلاحم الموثق فعلياً ما عجزت عنه الحكومات والأحزاب السياسية الحاكمة التي ذهبت دائماً نحو التجزئة العرقية والمذهبية لتأمين وجودها.
وانطلاقاً من هذه العقيدة السيادية، يرفض الاتحاد رفضاً قاطعاً أي غطاء سياسي أو حزبي يحاول جذب الاتحاد لجعله جزءاً من الحسابات الحزبية الضيقة وسوق المغانم. ويتمسك الاتحاد تمسكاً حصرياً بالغطاء الحكومي والدولتي، لكون الحكومة العريقة باسمها المطلق—وإن شابتها المحاصصة الحزبية الحالية—هي الممثل الرسمي لكيان الدولة العراقية والمظلة القانونية والدستورية الرسمية التي تحفظ استقلالية الاتحاد، وتضمن وقوفه على مسافة واحدة من الجميع، صيانةً لسيادة الوطن وحفظاً لكرامة المواطن العراقي.
الأطروحة الاستراتيجية لإصلاح وبناء الدولة
رؤية بنيوية صادرة عن اتحاد القبائل العراقية
أعدها/عدنان صگر الخليفه
التعليقات الأخيرة