يمر العالم، ومنطقتا الشرق الأوسط بقلبها النابض، بمنعطف تاريخي بالغ الشدة والتعقيد، حيث تتداخل خطوط السياسة الدولية مع صراعات الميدان العسكري، في ظل محاولات مستمرة لإعادة تشكيل الوعي وتزييف الحقائق التاريخية والقانونية. وفي قراءة حصرية متعمقة تفتح الملفات المغلقة والساخنة معاً، قدم معالي اللواء سامي دنيا، المحلل العسكري والاستراتيجي البارز، تشريحاً دقيقاً للمشهدين؛ الخارجي والداخلي، كاشفاً عن خلفيات تصريحات القوى العظمى، وتآكل الجبهة الداخلية لدول الاحتلال، وصمود الهوية التاريخية، وصولاً إلى بسط نفوذ القانون محلياً، وبزوغ القبضة المصرية الحاسمة في صياغة مستقبل قطاع غزة.
تبدأ القراءة من العاصمة واشنطن، حيث يرى اللواء سامي دنيا أن الوعود الانتخابية غالباً ما تصطدم بصخور الواقع المعقد؛ إذ يطل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعبارته المكررة "الأسبوعان القادمان" الواعدة بنصر كامل واتفاق وشيك مع إيران يتبعه انهيار لأسعار النفط، وهي وعود يصفها الخبير العسكري بأنها مادة دعائية بامتياز موجهة بالأساس للداخل الأمريكي وللناخبين قبل معركة التجديد النصفي في نوفمبر 2026. إن استمرار الأزمات لأكثر من مائة يوم بعد المهلة الافتراضية الأولى لوقف إطلاق النار يثبت أن الواقع السياسي أعمق بكثير من التفاؤل الاستهلاكي، وأن مصداقية الدول تُبنى بالنتائج لا بكثرة الوعود التي انضمت إلى قائمة الأسابيع التي لا تنتهي.
هذا العجز الخارجي للقوى الداعمة لإسرائيل ينعكس بصورة مباشرة وغير مسبوقة على بنيتها الهيكلية؛ حيث يفجر اللواء سامي دنيا مفاجأة استراتيجية بالتأكيد على أن إسرائيل تواجه اليوم أخطر اضطرابات داخلية في تاريخها على الإطلاق. فلأول مرة منذ نشأة هذا الكيان، تخرج تظاهرات عارمة أثناء ظروف الحرب وضد رئيس الحكومة والجيش والكنيست معاً، يقودها "الحريديم" الرافضون للتجنيد، فضلاً عن تصاعد مظاهر الخوف الجماعي والإجهاد النفسي الحاد الذي أصاب الجنود والمدنيين والأطفال على حد سواء. ويشير اللواء دنيا إلى ظواهر غير مسبوقة تعكس بلوغ حالة اليأس ذروتها، كالخروج العشوائي وقت انطلاق صافرات الإنذار بدافع الانتحار والهروب نحو الهجرة العكسية، مما يثبت أن انقسام الجبهة الداخلية أشد فتكاً من التهديدات العسكرية الخارجية، وأن دمارهم سيكون بأيديهم في نهاية المطاف.
ولأن حرب الروايات وسرقة التاريخ جزء لا يتجزأ من الصراع، يعيد معالي اللواء سامي دنيا ضبط عقارب الساعة التراثية لحمايتها من التزييف، مسلطاً الضوء على "قلعة الشقيف" اللبنانية العريقة (بوفور). ويؤكد سيادته أن الحجارة العتيقة أصدق من كل الدعاية السياسية المعاصرة؛ فالقلعة التي تضرب بجذورها العميقة في عهد الرومان، وصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، حصلت عام 2024 على صفة "الحماية المعززة" دولياً، لتبقى شاهداً حياً على أن معالم الإنسانية والتاريخ تبقى شامخة وتتجاوز بعمرها وأهميتها حدود صخب السياسة وغارات الصراعات المسلحة الراهنة.
وعلى الصعيد المحلي، ينقلنا المحلل العسكري إلى معركة أخرى لا تقل ضراوة، وهي معركة سيادة القانون وتطهير المجتمع؛ حيث يؤكد أن فتح الملفات القضائية والاقتصادية الثقيلة، وفي مقدمتها قضية "صبري نخنوخ" وتداعياتها الممتدة، قد وضع الجميع تحت المقصلة القانونية. ويسرد اللواء دنيا تفاصيل أمنية حية تكشف سقوط رؤوس وشبكات مصالح معقدة في القاهرة الجديدة، بدءاً من تتبع الأموال المشبوهة بالبنوك وعقود معارض السيارات المزورة، وصولاً إلى القبض على المتهمين تباعاً مثل "يحيى الصعيدي" الملقب بأسد الصحراوي، وقريب نخنوخ المدعو "بيبو باشا" أثناء محاولته تسريب بضائع بملايين الجنيهات. ويشدد سيادته على أن العدالة الحقيقية المرتبطة بالإجراءات القانونية والدليل تصنع نموذجاً لا يغلق بانتهاء الأحكام، بل يرسخ التوازن المجتمعي بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
ويختتم اللواء سامي دنيا قراءته الاستراتيجية بالمشهد الأكثر فخراً وعزة فوق أرض غزة المتوترة، معلناً فرض واقع ميداني جديد بإرادة وقرار مصر خالص. إذ يؤكد سيادته، وباعتراف دولي وتنسيق كامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، تواجد القوات المسلحة المصرية وعناصر الاستخبارات العامة على أرض قطاع غزة لإدارة الملف الأمني، ومراقبة المعابر، والسيطرة التامة على كافة نقاط الارتكاز والمداخل والمخارج، تزامناً مع الإشراف على ملف إعادة الإعمار. ويبعث الخبير العسكري برسالة شديدة اللهجة لنتنياهو وجيشه بأن وجود وحوش الـ GIS (القوات الخاصة للمخابرات العامة المصرية) هو وجود مشروع وقانوني، وأن أي محاولة لرفع العين الإسرائيلية في مواجهتهم ستجابه بمسح الكرامة والالتزام الصارم بالحدود؛ فالتاريخ والجغرافيا يثبتان دائماً أن ما تريده مصر وتخطط له إقليمياً هو فقط ما سيتم إنفاذه على أرض الواقع.
التعليقات الأخيرة