news-details
مقالات

إصبع على الجرح . حكاية ورسالة

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
من الحكايات الرائعة التي حفظها لنا التاريخ العربي والتي تجسد تماما ما نشهده الٱن من فجوة هائلة بين شرف الشجاع وخسة الجبناء هي حكاية الفارس والشاعر أبو الطمحان القيني ومأساته مع قومه وأبناء جلدته . كان ابو الطمحان شجاعا لا يحتمل الظلم ولا يجامل أهل الباطل لكن مشكلته أنه كان يعيش في بيئة من الخنوع
وفي عصر كثرت فيه الصراعات بين القبائل المتناحرة، وكان له إخوة وبنو عمومة يميلون إلى الخنوع ويفضلون السلامة الذليلة على الحرب الشريفة . في ذلك الوقت أغارت عليهم قبيلة متوحشة يمتاز رجالها بالقوة وشراسة العدة وسلبتهم أجزاء من أرضهم ومراعيهم وأجبرتهم على دفع الجزية وهم صاغرون . رضي إخوته وأقاربه بهذا الهوان واعتادوا عليه بل وتقربوا من العدو وقبّلوا يده تحت مبرر الجنوح إلى السلم والسلام ليأمنوا على شياههم وزعامات مشايخهم ومكاسبهم متنازلين عن كرامتهم . لم يكن أبو الطمحان من طينة أولئك الذين ينامون على الضيم . كان رجلا شريف الذات قوي البنية عالي الهمة وفارسا لا يشق له غبار . رفض أن يرى قومه يُساقون كالعبيد فكان يخرج وحده مغيرا على الأعداء يسترد ما نهبوه ويذيقهم مرارة الهزيمة .ولأن العدو عجز عن مواجهته في ساحات الشرف لجأ إلى سلاح الخبث فأرسل إلى إخوته وأقاربه يهددهم .. إما أن تكفوا عنا أخاكم أو نصادر خزائنكم وننسفن دياركم ونبيد خضراءكم . بدلا من أن يفتخر الإخوة والأقارب بشجاعة أخيهم الذي يغسل عارهم دبّ الرعب في قلوبهم وتحول هذا الرعب إلى حقد أسود عليه. شعروا بعقدة النقص والتقزم كلما نظروا إلى قامته المرفوعة ، فقرروا التخلص منه ، ليس بالقتال فهم أجبن من ذلك بل بسلاح الكذب والافتراء وتشويه السمعة . أشاعوا في القبائل أنه رجل ملحد ومجنون يحب الدماء ولا يريد الاستقرار . اتهموه بالسرقة وقطع الطريق وادعوا أنه يجلب الخراب على الأبرياء من أجل أطماعه الشخصية . تآمر إخوة دمه مع العدو ووشوا بمكانه وحاولوا تسميمه والتخلص منه ليرضى عنهم الطاغية الأجنبي . عندما وجد أبو الطمحان نفسه محاصراً بحقد إخوته وكذبهم وخيانتهم التي آلمته أكثر من سيوف أعدائه ، تنحى جانباً ونظر إليهم حسرة وسطر واحدة من أبلغ قصائد التراث العربي التي تصف حال الشجاع بين الجبناء حيث يقول فيها ( وإنِّي مِن قَوْمٍ كِرَامٍ أَعِزَّةٍ ... إِذَا مَا دَعَوْا لِلْجُلَّى أَجَابُوا وَأَقْبَلُوا ...   وَلَكِنَّ بَعْضَ الأَقْرَبِينَ يَشِينُنِي ... بِإِفْكٍ وَزُورٍ حِينَ أَغْدُو وَأَقْفِلُ )
وفي أبيات أخرى يعبر عن خنوعهم للعدو وكرههم له لأنه يذكرهم بجبنهم :
( أَرَانِي وَقَوْمِي كَالْمُسَمِّنِ كَلْبَهُ ... لِيَفْتَرِسَ الْأَعْدَاءَ فَالْكَلْبُ يَعْقِرُ ... يَعِيبُونَ شَيْئاً هُمْ فِيهِ أَصَاغِرٌ ... وَيَكْرَهُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ أَظْهَرُ ) ... لم ينحن أبو الطمحان لإخوته ولا للعدو ولما ضاقت به بلاد قومه بسبب مؤامراتهم وافترائهم، حمل سيفه وعزته وأدار ظهره عنهم تاركا إياهم لقمة سائغة للعدو . وما هي إلا سنوات قليلة حتى دارت الدوائر فبعد أن غادرهم الشجاع الذي كان يحميهم استضعفهم العدو الذي باعوا شرفهم له فسلبهم ما تبقى من أرضهم وأذلهم وعاشوا بقية حياتهم نادمين أذلاء بينما بقي اسم أبي الطمحان القيني في كتب التاريخ والتراث رمزا للرجل الشريف البطل الذي لم يبع كرامته ومات عزيزا شامخا . خلاصة الحكاية إن الجبان لا يكره العدو الغريب بقدر ما يكره الشريف الشجاع من اهل قومه لأن وجود الشريف البطل يذكره دائما بمدى وضاعته وجبنه . ورحم الله المتنبي وهو يقول .. ( لم أر في عيوب القوم عيبا ... كنقص القادرين على التمام ..)  هي حكاية لكنها رسالة تحتمل أن يكون في حيثيات دلالاتها كيان بني صهيون .. وطرفين الأول فيهم إيران وفصائل المقاومة والحشد اما الطرف الثاني فيجمع بين ثناياه بعض أهل العراق ومشايخ الخليج وامة العرب ... والسلام ..

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا