news-details
مقالات

بُنيانٌ

_
في زِحامِ المَهامِّ وضِيقِ الوَقتِ، لا تَنهارُ الفِرَقُ لِقِلَّةِ الكَفاءةِ؛ وإنَّما تَنهارُ لِغِيابِ الأركانِ الَّتي تَشُدُّ البُنيانَ وتَمنَعُهُ مِنَ التَّداعِي. 
القاعِدَةُ قَبلَ السَّقفِ :
الفَريقُ لا يُعَلَّقُ على جِدارٍ ثُمَّ يُنسى، بل يُرَصُّ بِهُدوءٍ وفي صَمتٍ. والسَّقفُ لا يَسبِقُ القاعِدَةَ؛ وكُلُّ قِطعَةٍ إذا استَقَرَّت صارَت ظِلًّا لِما بَعدَها. فابْدَأْ مِن حَيثُ لا يُرى: مِن مَوضِعِ الرَّقمِ حِينَ يَتنَفَّسُ :
الرَّقمُ: حَدٌّ مَرسومٌ على الرَّملِ
الأهدافُ الضَّبابيَّةُ دُخانٌ يَصعَدُ ثُمَّ يَذوبُ. أمَّا الرَّقمُ فحَدٌّ مَرسومٌ على الرَّملِ لا يَتَزَحزَحُ.
يَهتِفُ فَريقٌ: «نُريدُ أن نَكونَ الأَقوى»، فيَتبَدَّدُ صَوتُهُ في الهَواءِ. ويَهمِسُ آخَرُ لِنَفسِهِ: «مِئَةٌ وعِشرونَ قَبلَ الرَّبيعِ»، فيَعُدُّ حِجارَتَهُ كُلَّ اثنَينِ ويَسكُتُ.
وحِينَ يَسكُنُ الرَّقمُ القَلبَ، يَتحَوَّلُ إلى سُؤالٍ خافِتٍ: لِمَن هذا المَوضِعُ؟
المَوضِعُ واليَدُ: وُضوحٌ بلا ضَجيجٍ
ما دامَ لِكُلِّ مَوضِعٍ سُؤالٌ، فلْتَعرِفِ اليَدُ طَريقَها بلا ضَجيجٍ. في غُرفَةِ الطَّوارِئِ لا تَعلو الأَصواتُ؛ لأنَّ العَينَ عَرَفَتِ القَرارَ، واليَدَ عَرَفَتِ المَكانَ. لا أَحَدَ يَسألُ بَعدَها: هذا لِمَن؟ يَكفي أن يَكونَ الحَجَرُ واحِدًا، واليَدُ واحِدَةً. فإذا استَقَرَّ كُلُّ حَجَرٍ في مَكانِهِ، لم يَبْقَ إلَّا البَحثُ عَمَّا يُمسِكُهُ.
الوَزنُ الخَفِيُّ: التَّرميمُ قَبلَ الكَسرِ
الَّذي يُمسِكُ الحَجَرَ ليسَ خِطابًا يُقالُ، بل وَزنٌ خَفِيٌّ في مَوقِفٍ صَغيرٍ لا يَراهُ أَحَدٌ. شَقٌّ ظَهَرَ في حَجَرٍ، فجَلَسَت يَدٌ ونَحَت مَعَهُ بَدَلَ أن تَكسِرَهُ، فعادَ أَملَسَ. الخَوفُ يُفَرِّطُ فيما يُرَمَّمُ، ويَتَمَسَّكُ بِما لو سَقَطَ هَدَمَ. وعَلامَةُ الثَّباتِ أن يَصِلَكَ حَجَرٌ مَشروخٌ قَبلَ أن يَنهارَ.
أَعداءُ القَلعَةِ الصَّامتونَ : 
لِلقَلعَةِ أَعداءٌ لا يُسمَعُ لَهُم صَوتٌ: شَكٌّ يَأكُلُ مِنَ الدَّاخِلِ، وقَرارٌ مَحبوسٌ لا يَخرُجُ، وحَجَرٌ أَثقَلُ مِن طاقَةِ اليَدِ، ومِيزانٌ يَميلُ.
أَوقَفَ مُديرٌ فاتورَةً صَغيرَةً، فسَقَطَ رُكنٌ بأَلفَينِ. ورَمى آخَرُ المِفتاحَ وقالَ: «حَتَّى الأَلفُ لَكِ»، فغابَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ وعادَ فَوَجَدَ الجِدارَ واقِفًا.
حِينَ تُسَدُّ الثُّقوبُ، تَبقى ريحٌ أَخيرَةٌ لا تَأتي مِن خارِجِ السُّورِ، بل مِن انفِعالٍ عابِرٍ يَكسِرُ الإزميلَ.
السُّكونُ: فاصِلُ النَّجاةِ
الإزميلُ لا يُنحَتُ بالرَّدِّ السَّريعِ، إنَّما بالتَّأَنِّي. رِسالَةُ غَضَبٍ كُتِبَت وسُجِنَت ثَلاثينَ دَقيقَةً في المُسَوَّداتِ، فخَرَجَت بارِدَةً ورَمَّمَت ما كادَت تَهدِمُ. بَينَ الشَّرارَةِ والضَّربَةِ فاصِلٌ صَغيرٌ، ومَن أَجَّلَ رَدَّهُ نَجا مِن نَدَمِهِ. وحِينَ يَسكُنُ النَّحَّاتُ، يَرى الفَرقَ بَينَ الحَجَرِ واليَدِ، فيَفهَمُ أنَّ الخِلافَ ليسَ مَعَ اليَدِ أَبدًا، إنَّما مَعَ مَوضِعِ الحَجَرِ.
التَّجزِئَةُ: مِنَ الجَبَلِ إلى الحَصاةِ
الجَبَلُ يَشُلُّ، والحَصاةُ تُحَرِّكُ. مُؤتَمَرٌ بَعدَ شَهرٍ صارَ أَربَعَةَ أَسابيعَ، ثُمَّ عِشرينَ دَقيقَةً: «تَأكيدُ القاعَةِ».
 وحِينَ يَخنُقُكَ الحِملُ، اسأَلْ: ما أَصغَرُ ما يُرفَعُ الآنَ؟ فثَلاثُ دَقائِقَ تَقسيمٍ تُوَفِّرُ ساعاتِ تَأجيلٍ، وثَلاثُ حَصَياتٍ مَرصوصَةٍ خَيرٌ مِن جَبَلٍ مُؤَجَّلٍ.
الاختِبارُ: الغِيابُ
حِينَها يَجيءُ الاختِبارُ الَّذي لا يُرى: هَل يَقِفُ الجِدارُ بِلا يَدٍ؟ القَلعَةُ لا تُقاسُ بِحُضورِ النَّحَّاتِ، إنَّما بِثَباتِها حِينَ يَغيبُ. قائِدٌ تَبَدَّلَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ والجِدارُ لم يَمِلْ؛ لأنَّ الخارِطَةَ مَرسومَةٌ، والظِّلالَ مُوَزَّعَةٌ.
اسأَلْ كُلَّ شَهرٍ: لو غِبتُ أُسبوعًا، أيُّ حَجَرٍ يَسقُطُ؟ سُدَّ أَكبَرَ شَقَّينِ، وانقُلِ المَعرِفَةَ مِنَ الذَّاكِرَةِ إلى النِّظامِ. وعَلامَةُ القَلعَةِ أن تَتَوَقَّفَ مُهِمَّةٌ أو اثنَتانِ، لا كُلُّ شَيءٍ.
الخاتِمَةُ: حَجَرٌ واحِدٌ
وإذا ضاقَ الوَقتُ خِنجَرًا في ظَهرِكَ، فلا تَحمِلِ الجِدارَ كُلَّهُ. اكتُبْ رَقمًا واحِدًا وعَلِّقْهُ؛ فهو أَوَّلُ حَجَرٍ، ومِنهُ يَبتَدِئُ كُلُّ بِناءٍ.
 ثَلاثونَ يَومًا، حَجَرًا حَجَرًا: أُسبوعٌ لِلرَّقمِ والمَوضِعِ، وأُسبوعٌ لِلمِفتاحِ، وأُسبوعٌ لِلسُّكونِ، وأُسبوعٌ لِلغِيابِ.
 النِّظامُ حَجَرٌ، والاعتِمادُ على الأَشخاصِ زُجاجٌ؛ والزُّجاجُ يَلمَعُ لَحظَةً، والحَجَرُ يَبقى. مَن أَرادَ الجِدارَ كامِلًا في يَومٍ بَدَأَ مِنَ الرَّملِ، ومَن بَدَأَ بِحَجَرٍ واحِدٍ حَفِظَهُ واحِدًا وعِشرينَ يَومًا. ومَن قاسَ الابتِسامَةَ نَسِيَ الارتِفاعَ، ومَن قاسَ الارتِفاعَ كُلَّ جُمُعَةٍ رأى الجِدارَ يَعلو. ولو انهارَ أُسبوعٌ، فارجِعْ لِنِصفِ حَجَرٍ؛ فالاستِمرارُ حَجَرٌ، والكَمالُ المُتَوَقِّفُ غُبارٌ.
───
بقلمى/ عادل عطيه سعده 
جمهورية مصر العربية

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا