أفكار بصوت مرتفع
زينب كاظم
نواح البومة على الحسين (عليه السلام)
أن نواح البومة على الحسين عليه السلام حقيقة وجدانية تؤيدها الروايات لكن تُنكرها القلوب القاسية.
لم يكن حادث استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) في كربلاء حدثاً تاريخياً عادياً يمر كسائر الأحداث، بل كان زلزالاً كونياً اهتزت له السماوات والأرض. وتشير الروايات المتواترة في تراث أهل البيت (عليهم السلام) إلى أن الحزن على الحسين لم يقتصر على بني الإنسان، بل امتد ليشمل الملائكة، والجن، والوحوش في البراري، والحيتان في البحار، والطيور في السماء.
ومن بين تلك المخلوقات التي ارتبطت فاجعة كربلاء بسلوكها وطبيعة حياتها هي (البومة). ورغم أن بعض النفوس تستغرب هذه الحقائق وتكذبها، إلا أن التدقيق في الروايات والبعد الوجداني للمسألة يظهر عمق الفاجعة التي غيرت حتى طباع الحيوانات.
ومن هذه الأدلة الروائية من مصادر مدرسة أهل البيت عليهم السلام،وردت في الأمهات الروائية المعتبرة، وبأسانيد متصلة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، روايات نصت على أن البومة كانت تسكن البيوت والدور وتأنس بالبشر، لكنها بعد واقعة الطف آلت على نفسها اعتزال البشر وسكنى الخرائب حزناً ومواساة.
ومن هذه الروايات رواية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
أورد المحدث الأقدم الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه القمي (أعلى الله مقامه) في كتابه المعتمد (كامل الزيارات) (باب 79 - ص مائتان وأربعة وثلاثون)، بإسناده عن الحسين بن أبي غندر، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال:
(سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي الْبُومَةِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِالنَّهَارِ؟ قِيلَ لَهُ: لَا؛ لَا تَظْهَرُ بِالنَّهَارِ وَلَا تَظْهَرُ إِلَّا لَيْلاً. قَالَ (عليه السلام): أَمَا إِنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَأْوِي الْعُمْرَانَ، فَلَمَّا أَنْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) آلَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ لَا تَأْوِي الْعُمْرَانَ أَبَداً وَلَا تَأْوِي إِلَّا الْخَرَابَ، فَلَا تَزَالُ نَهَارَهَا صَائِمَةً حَزِينَةً حَتَّى يَجُنَّهَا اللَّيْلُ، فَإِذَا جَنَّهَا اللَّيْلُ فَجَعَتْ عَلَى الْحُسَيْنِ (ع) حَتَّى تُصْبِحَ).
و رواية الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)
وفي كتاب (ثواب الأعمال وعقاب الأعمال) للشيخ الصدوق (ص مائتان وثمانية وأربعون)، روى بإسناده عن الحسين بن علي بن صاعد البربري، وكان ينزل قصر ابن هبيرة، قال: قال لي الإمام الرضا (عليه السلام)
(مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي الْبُومَةِ؟ قُلْتُ: تَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ فِي عَهْدِ نُوحٍ (عليه السلام) فِي الدُّورِ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) خَرَجَتْ مِنَ الدُّورِ إِلَى الْخَرَائِبِ. فَقَالَ (عليه السلام): نَعَمْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّهَا لَتَنُوحُ عَلَى الْحُسَيْنِ (عليه السلام) طِوَالَ اللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَتْ فَلَا تَزَالُ صَائِمَةً حَتَّى يَجُنَّهَا اللَّيْلُ).
أما عن التحليل الوجداني كيف يُكذب الإنسان وتتفوق البومة في المشاعر؟
إن التعجب أو التكذيب الذي يبديه البعض تجاه هذه الروايات لا ينبع من استحالة عقلية، فالله عز وجل الذي أنطق النملة لسليمان، وسخر الطير لداود، قادر على أن يلهم مخلوقاته الحزن على أولياءه. بل إن الإنكار ينبع من قسوة القلوب والجهل بمقام الإمامة.
أنا عن مفارقة المشاعر بين الطير والإنسان ،يتحرك الوجدان الإنساني بالتعجب حين يرى بشراً يملكون عقولاً وقلوباً، يقرؤون تفاصيل مجزرة كربلاء؛ من ذبح الرضيع، ورضّ الأجساد بالخيول، وسبي بنات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم لا تهتز لهم شعرة، ولا تدمع لهم عين. في المقابل، نجد هذا الطائر الأعجم (البومة) قد اختار العزلة التامة، ورفض العيش في العمران الذي يسكنه قتلة الحسين وخاذلوه، واعتزل في الخرائب مظهراً النواح المستمر في جنح الليل. فصارت البومة في سلوكها وبكائها أكثر وفاءً لآل الرسول عليهم السلام من بشرٍ يملأ الجفاء قلوبهم.
أما فيما يخص دلالة اختيار العزلة والليل ،إن ظهور البومة بالليل فقط واختيارها الخرائب يحمل دلالة رمزية وواقعية عميقة
صيام النهار وحزن الليل تعبير عن حالة حداد دائم لا تنقطع.
أن الهروب من العمران هو إعلان للبراءة من مجتمعٍ خذل ابن بنت نبيه وتركه عطشاناً غريباً.
واخيرا وليس اخرا إن إنكار من ينكر نواح البومة على الحسين (عليه السلام) إنما هو مصداق للآية الكريمة(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). فإذا كانت الحيوانات والطيور قد عرفت حق الحسين ومصيبته فبكت ونارت واعتزلت، فأحرى بالإنسان، الذي كرمه الله بالعقل والوعي، أن يكون أول الباكين والمواسين لرسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) في سبطه وريحانته، وأن يخرج من جفاء القلب ليدخل في رحاب الرحمة والولاء للحسين (عليه السلام).
التعليقات الأخيرة