"هارون هبة الله والخوارزمي هبة العلم" عنوان فرعي: "حين حكم التوحيد بالسيف والقلم"
قلم / عادل شلبي
النص :
إن التاريخ لا يكتبه السيف وحده، ولا يكتبه القلم وحده. إنما يكتبه حين يلتقي "السيف المؤمن" مع "القلم الرباني" في قلب رجلين، أحدهما سلطة والآخر حكمة. وهذا ما كان بين هارون الرشيد و محمد بن موسى الخوارزمي في بغداد دار السلام.
فهارون هبة الله ، لم تكن هبته في ملك امتد من الصين إلى الأندلس، ولا في خزائن ملئت ذهباً. إن هبته الحقيقية كانت في "بصيرة الخليفة" . فهو الذي فهم أن "الملك زائل والعلم باق" . ولذلك كان نظامه الذي دوّخه المستشرقون: "عام حاجج وعام غازي" . الحج لله، والغزو لأعداء الله، وبينهما مجلس العلماء. فلم يكن رضاه من رضا الناس، بل كان رضاه من رضا الله، والدليل أنه كان يبيت باكياً يقول: "يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه" . فهذا عبدٌ قبل أن يكون خليفة.
والخوارزمي هبة العلم ، لم تكن هبته في مسائل حساب، بل في "مفتاح العقل البشري" . فقد جاء في زمن كانت أوروبا تحسب بـ IIII و VIIII ، فلا تجمع ولا تضرب. فأخرج لهم الصفر مجهولاً ، فصارت ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ٠ هي لغة العالم إلى اليوم. ووضع "علم الجبر" فسماه الغرب باسمه Algebra ، ووضع "الخوارزمية" فسمى كل برنامج في حواسيبهم باسمه Algorithm . فهو لم يكتب كتاباً، بل كتب "عقل العصر الحديث" .
فماذا فعل هارون يا شيخ ؟
فعل فعل الأنبياء في الملوك: "سخّر الملك للعلم" . جمع الخوارزمي في بيت الحكمة وقال له: "اكتب للناس ما ينفعهم بعدي، فالقصر يهدم والكتاب يبقى" . فكان يمده بالمال، ويحميه بالسلطان، ويوقره بالهيبة. فلم يكن الخوارزمي موظفاً، بل كان "شريكاً في الملك" .
والنتيجة كانت واحدة: إضاءة العالم.
فمن لقاء هارون والخوارزمي خرج النور الذي بدد ظلام أوروبا. من بغداد انطلقت الأرقام العربية فبُنيت بها البنوك، وقُست بها النجوم، وصُنعت بها الآلات. فالغرب الذي يهاجم هارون اليوم، هو نفسه الذي يحسب بأرقام الخوارزمي كل يوم.
فالخلاصة التي نرد بها على المستشرقين الخبثاء:
هارون لم يكن أسطورة "ألف ليلة" كما زعموا. والخوارزمي لم يكن ناسخاً مجهولاً .
إنما كانا "تجلياً لقاعدة التوحيد" : أن الله إذا أراد بناء حضارة، وهبها "سلطاناً عادلاً" و"عالماً عاملاً". فاجتمعا، فكان "العصر الذهبي" الذي لا يزال شاهداً على أن "التوحيد يبني، ولا يهدم" .
فماذا فعلت يا هارون؟
"فعلت أنك كنت السبب... فكان الخوارزمي هو الأثر. والأثر باق، والسبب في عليين بإذن الله".
التعليقات الأخيرة