news-details
مقالات

النهوض الحسيني في وعي القبيلة العراقية: من ثقافة المأساة إلى إرادة الموقف

بقلم/ عدنان صگر الخليفه
 رئيس اتحاد القبائل العراقية

​إن البحث الحثيث عن الغاية الإنسانية والرسالية للشعائر الحسينية يتطلب بالضرورة الانتقال من المظاهر المجردة واللافتات الشكليّة إلى الأثر الحي الذي يُلمس في السلوك الإنساني والمواقف الحياتية اليومية؛ فالشاهد الأول والأوحد على التقوى والتدين الحقيقي هو السلوك لا المظهر، والموقف لا الشعار. ومن هنا نرى نحن في اتحاد القبائل العراقية، انطلاقاً من مسؤوليتنا التاريخية والاجتماعية، أن عاشوراء مدرسة دورية متجددة لإحياء الضمير ومحاكمة الواقع، حيث لا يمكن للدمعة أن تكون غاية في ذاتها، بل هي وقود وبداية لرحلة تغيير نحو إنسان أكثر عدلاً، وصدقاً، ورحمة، وشجاعة.
​وإن هذه الرؤية تمثل جوهر الثقافة التي يجب أن تسود في مجتمعنا؛ فالقبيلة والعشيرة العراقية هي الحاضنة الكبرى والجهة الوحيدة التي تحتوي في طياتها على كل النخب الفاعلة، من عمال وفلاحين ومهنيين وأساتذة وأطباء وعسكر، فكل كفاءات الوطن تعود في نهاية المطاف إلى تلك القبيلة التي احتضنتهم وكانت لهم بمثابة الأب الراعي والأم الحنون والمرجع الاجتماعي الأصيل. ومثلما تمنح الأم رضيعها القوة والحياة، فإن على القبيلة اليوم، بوصفها الراعي الأكبر، أن تمنح أبناءها ونخبها الفكر الحقيقي والوعي المستقيم للنهضة الحسينية، وأن تقود عملية تصحيح المفاهيم لئلا يتبدد المسار الذي رسمه سيد الشهداء وعائلته وأصحابه بدمائهم الزاكية، والذي كان يُرتجى من خلاله تحرير الأمة من الطغاة والفساد، وتوجيههم إلى الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله ورسوله للمؤمنين.
​إن هذا الواجب الاجتماعي والفكري يدعونا إلى تفكيك واحدة من أخطر المعضلات التي تواجه المجتمعات، وهي معضلة الفصل بين الطقس والسلوك، حيث نجحت الثقافات الممتدة عبر العصور في تخدير الضمائر عبر صناعة التبريرات والأعذار، فالأخطر ليس الظلم في حد ذاته، بل القدرة على التعايش معه وتبرير التخاذل بصعوبة الظروف، أو الخوف على المناصب، أو التذرع بالتعليمات وضيق الصلاحيات. والواقع أن واقعة كربلاء لم تكن صراعاً عسكرياً عابراً، بل كانت صراعاً وجودياً بين المبدأ الذي لا يقبل المساومة، والمبرر الذي تذرع به خصوم الحسين لتغطية انحرافهم، ومن هنا تلاقت مصالح الأنظمة المستبدة والملوك مع رغبات التبسيط الفكري في إفراغ هذه النهضة من محتواها وتحجيمها في دائرة الندب والنواح وبذل الطعام؛ لأن الفساد لا يخشى مجتمعاً يبكي مستسلماً، بل يرتعد من مجتمع يملك الوعي الذي يقارن به سلوك حاكمه بسلوك يزيد، ويجعل من الحسين معياراً رقابياً داخلياً في الدائرة، والمحكمة، والسوق، والجامعة.
​ومن هنا، نرفض في اتحاد القبائل العراقية وبأشد العبارات ذلك الطرح المنبري القاصر الذي يحاول تقزيم النهضة الحسينية عبر الترويج لمقولة تفيد بأن الحسين لم يخرج على الطاغي الحاكم أو السلطة الحاكمة، وإنما كان خروجه مجرد تقديم "قدوة أخلاقية مجردة" أو إطلاق "شرارة تاريخية بدائية" لتكون مجرد ذريعة للذكرى! إن هذا التفسير الملتوي يقع في تناقض بنيوي واجتماعي؛ فكيف يكون القائد قدوة في رفض الطغيان والفساد إذا كان يتجنب مواجهة وتعرية رأس هذا الطغيان المتمثل في السلطة الفاسدة؟ كما أن هذا الطرح يغفل عمداً سنن التاريخ والاجتماع؛ فالمجتمعات لا تفسد من تلقاء نفسها في القاع، بل يفسدها فساد حكامها وقادتها، ولطالما جرت الحكمة بأن "الناس على دين ملوكها"، فالمنظومة الحاكمة هي التي تملك أدوات إفساد الذمم أو تقويمها، وحين ينحرف رأس الهرم ويستأثر بالثروات والمناصب، ينحدر الفساد إلى مفاصل المجتمع حتماً.
​من أجل ذلك، كان منطلق الحسين (text{ع}) منطلقاً قرآنياً واضحاً يعالج الداء من رأسه، مستشهداً بنص جده (text{ص}): "من رأى سلطاناً جائراً... فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله". فالإصلاح الحسيني لم يكن وعظاً أخلاقياً موجهاً لرعية مستضعفة، بل كان حركة تغييرية وإعلان بطلان لشرعية السلطان الجائر الذي أفسد العباد والبلاد، ولم يطرح "القدوة" كشعار معزول بل جسدها في موقفه الصريح: "ومثلي لا يبايع مثله". وإن الهروب المنبري نحو فكرة "القدوة البديلة عن الخروج على الطغيان" ليس إلا محاولة بائسة لإعفاء نخب الأمة وعشائرها من استحقاق التغيير والمواجهة الحاضرة، وطمأنة الفساد القائم في كل عصر بأن المنبر لن يهز عروشهم، وتحويل الثورة الشاملة إلى مجرد دروس سلوكية آمنة لا تهدد فاسداً ولا تستنهض غافلاً.
​وإن محاولات تدجين الثورة الحسينية امتدت لتطال بنية الروايات التاريخية نفسها، فتسللت مرويات تُمعن في تصوير الرموز الكربلائية في حالة ضعف وانكسار لاستدرار العاطفة دون الالتفات إلى الجناية الفكرية التي تُرتكب بحق تلك النهضة، ولعل أبرز مصاديق هذا التسطيح يتجلى في اختزال دور السيدة العقيلة زينب بنت علي، وتصويرها كأخت ثاكلة مسبية مكسورة تخاف وتذعر وتستنجد، في حين أن الحقيقة الراسخة تؤكد أنها كانت شريكة كاملة في صناعة القرار والموقف الإستراتيجي. إن ركب الحسين خرج بوعي تام وبرنامج مسبق صاغه الإمام علناً حين قال إن الله شاء أن يراهن سبايا، فكيف لامرأة تحمل هذا الإرث الفكري واليقين الغيبي المحمدي أن تُصاب بالرعب أو المفاجأة ليلة العاشر؟ إن وقوف العقيلة بكامل عنفوانها وبلاغتها الزلزلية أمام الطغاة في الكوفة والشام، وهي تطلق صاعقتها الخالدة في وجه ابن زياد بأنها ما رأت إلا جميلاً، وقولها ليزيد وهي في وثاق الأسر إني لأستصغر قدرك، يثبت بشكل قاطع أن كربلاء لم تكن هوية انكسار أو مأساة استسلامية، بل كانت قمة الإقدام والشجاعة، ولا يمكن لامرأة نائحة مهزومة أن تقود إعلام ثورة عابرة للأزمنة والقرون.
​ويمتد هذا النقد الفكري والمنطقي ليفكك أيضاً المقولات الشائعة التي تُصوّر الحسين مستعطياً للنصرة العسكرية في لحظاته الأخيرة عبر نداء "ألا من ناصر ينصرنا"، إذ يتناقض هذا الفهم كلياً مع الموقف التاريخي الموثق ليلة العاشر، حين جمع الإمام أصحابه وعائلته وأسقط بيعته عنهم، طالباً منهم علناً وبإلحاح أن يستتروا بظل الليل ويغادروا لأن القوم لا يطلبون غيره، فالقائد الذي يفرّق الجمع لإنقاذ حياتهم لا يعود في اليوم التالي ليطلب نصرة عسكرية ممن جاء لسحقه، بل إن النداء -إن ثبت تاريخياً- لم يكن استجداءً لحماية شخصية وهو القائل لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، وإنما كان صرخة استنهاض للضمير الإنساني، وإقامة للحجة الأخلاقية والتاريخية لئلا يقول قائل غداً لم نكن نعلم، فهو نداء موجّه للمستقبل وللأجيال القادمة لرفض الانحراف والاعوجاج في كل زمان ومكان. من هنا، وضع الإمام الحسين خريطة طريق متكاملة ومعيارية لمفهوم القيادة بالقدوة والميدان، حيث نسف النظرية الكلاسيكية التي يقبع فيها الزعماء في قصورهم ويأمرون الجماهير بالتضحية، بل تقدم بنفسه، وعائلته، وبأبنائه، وإخوته، وثلة أصحابه الأبرار، ليكونوا الجسر الأول والفداء المباشر في خط النار، إنها القيادة بمعناها المحمدي الأصيل القائمة على التضحية والمسؤولية أولاً، على النقيض تماماً من الأنظمة الطاغوتية وجيوشها التي تدير معاركها من الخلف عبر لجان الإعدام وترهيب الهاربين.
​هذا النموذج الفذ يدعونا اليوم، كنخب وعشائر، إلى ضرورة نفي وصف "المأساة" وخلع ثوب الفجيعة البائسة عن واقعة الطف؛ لأن المأساة في المفهوم الإنساني تقترن بالحيرة والندم والضياع، أما ما جرى في كربلاء فهو تجسيد لغاية الجود، والجود بالنفس هو أسمى مراتب الكرم والعطاء الإلهي، ومن يكرم برضيعه، وابنه، ونفسه في سبيل رسالة السماء والحرية، لا يصنع مأساة يُبكى عليها إشفاقاً، بل يصنع فتحاً وتاريخاً ومجداً يُحتفى به لتستنير به الأمة في مستقبلها، فالدموع المجردة لم تكن يوماً في سنن الكون سلاحاً للمنتصر، وإنما الثقافة، والدين الحقيقي، والشجاعة، والإيثار، هي الحقيقة المطلقة في النصر وتحريك وعي المجتمعات.
​وإن هذا الوعي المستنير يضع اليوم مسؤولية جسيمة وتاريخية على عاتق نخب القبائل وقادتها من شيوخ وأمراء وعسكر وأكاديميين وكافة الفئات؛ فالمجتمعات لا تقود نفسها عبثاً بل تتحرك بإرادة قياداتها الفاعلة التي يجب أن تمثل القدوة في التقدم للمواقف الصعبة حماية للصالح العام، وعندما أطلق الحسين صرخته الشهيرة بأن كونوا أحراراً في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون، كان يعيد البشرية إلى مربعها الأخلاقي الأول وقاعدتها الإنسانية الفطرية التي تسبق التكليف؛ فالإنسان المستعبد لخوفه ومصالحه لا يمكنه التمسك بالدين، بينما الأحرار يأنفون الغدر والسرقة والكذب، ويتقدمون في الكرم والشجاعة والتضحية. إن كربلاء ليست ذكرى سنوية تُستعاد، بل هي ضمير يُولد من جديد كل يوم، والوفاء الحقيقي والانتصار لدم الحسين ولعنفوان العقيلة زينب لا ينتهي بانقضاء العزاء الشكلي، بل يبدأ عند تحويل العَبْرة إلى عِبْرة ومواقف عملية لإنصاف المظلوم، وحفظ الأمانة، ومحاربة الفساد، وتطهير السلوك الوظيفي واليومي من ازدواجية المعايير، وتوجيه الأمة نحو الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله ورسوله للمؤمنين، لتبقى هذه النهضة أطروحة حرية عالمية مستدامة تُلهم كل ثائر وحر ولو كان بعد آلاف السنين.


النهوض الحسيني في وعي القبيلة العراقية: من ثقافة المأساة إلى إرادة الموقف


    مراجعة وصياغة الدكتور مجدي كامل الهواري 
مراجعة لغوية وتحريرية وتدقيق  المغيره بكري
جريدة الأضواء المصرية

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا