news-details
مقالات

البيت الأبيض والغرف المظلمة في بغداد: جدلية "الواجهة" وسلطة الظل

بقلم/ 
عدنان صگر الخليفه 

​حين يغادر أي وفد حكومي عراقي إلى واشنطن، يرافق رحلته ضجيج إعلامي محلي يسير في اتجاهين متناقضين؛ اتجاه يروج لشرعية دولية وإنجازات اقتصادية مرتقبة، وآخر "يُشيْطن" الزيارة ويصوّرها كتنازل عن السيادة والثوابت. لكن الغوص في عمق الواقع العراقي يكشف أن هذه السجالات لا تعدو كونها مسرحية لتوزيع الأدوار، تخفي خلفها الحقيقة الأكثر مرارة: وهي أن صانع القرار التنفيذي في بغداد مسيّر لا مخيّر، وحكومته ما هي إلا واجهة تنفيذية لأجندات كُتبت وطُبخت في الغرف المغلقة لزعماء الأحزاب والكتل الحاكمة.
​إن محاولة رمي المسؤولية بالكامل على عاتق رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي في تفاهماته الأخيرة بواشنطن—سواء بشأن ملفات الاستثمار النفطي (الـ 500 ألف برميل يومياً) أو الالتزام الحرج بإنهاء السلاح خارج إطار الدولة بحلول 30 أيلول—تفتقر إلى الموضوعية السياسية. فالزيدي لم يأتِ عبر صناديق اقتراع حرة حسمت خيار الشعب، بل صعد كمرشح تسوية توافقي صاغته كواليس الإطار التنسيقي وقادة الفصائل أنفسهم. والوفد الحكومي لم يغادر إلى الولايات المتحدة باجتهاد شخصي، بل ذهب بحقيبة ملفات وتنازلات تم إقرارها سلفاً في اجتماعات قيادات الأحزاب التي تستدعي رئيس الوزراء لإملائه الخطط، وتحديد حصص المغانم والتحاصص.
​الدليل القاطع على شلل الإرادة الحكومية يكمن في شلل السلطة الأم؛ فالبرلمان العراقي—الذي يُفترض دستورياً أنه يمثل الشعب ويمارس الرقابة والتشريع—عاجز عن تمرير قانون أو اتخاذ موقف دون توافق زعماء الكتل خلف الكواليس. وإذا كانت السلطة التشريعية مقيدة ومصادرة القرار، فكيف للحكومة الناتجة عنها أن تملك قراراً سيادياً حراً؟
​هذا الشلل البنيوي يضع العراق في فخ "التوافق المتضاد" القاتل. فالأحزاب التي تمسك بزمام السلطة تحاول عبثاً اللعب على حبل التناقض الأمريكي-الإيراني في توقيت إقليمي حرج تعيش فيه المنطقة لغة الحرب الشاملة. إنهم يمارسون شعارات "المقاومة والسيادة" للاستهلاك المحلي والعقائدي أمام جمهورهم، بينما يمنحون الضوء الأخضر لحكومتهم لتقديم فروض الطاعة وعقود النفط في واشنطن لتجنب العقوبات الاقتصادية وحماية عروشهم المالية. وعندما يحدث الإحراج الدبلوماسي، يسارعون عبر ماكيناتهم الإعلامية ومحلليهم "المستقلين" المأجورين إلى شيطنة الحكومة وتحميلها وحدها تبعات التنازلات، مستخدمين اسم "الشعب العراقي" المغيب تماماً عن المشهد كغطاء وصوت افتراضي يفصلونه على مقاس مموليهم.
​بل إن الوقاحة السياسية وصلت ببعض هذه المنابر المأجورة إلى ادعاء أن "انتفاضة تشرين" تؤيد وتساند خيارات الحكومة والزيدي؛ في محاولة رخيصة لسرقة إرث وتضحيات حركة شعبية عفوية خرجت بصدور عارية لإسقاط هذه المنظومة المحاصصاتية برمتها، وهي انتفاضة جماهيرية ولدت بلا قيادة هرمية ولا يملك كائن من كان التفويض للتحدث باسم دماء شهدائها لتبرير تسويات السلطة.
​في المحصلة، إن السيادة التي تتباهى بها واشنطن في العراق ليست سوى "سيادة تشريعية شكلية" لإعطاء غطاء ودعاية للديمقراطية التي تدعي أنها جلبتها للعراق، وتلقف الإدارة الأمريكية للزيدي كزعيم "جاءت به الانتخابات" هو شرعنة متبادلة لحفظ المصالح. أما الحقيقة الشاخصة، فهي أن السيادة الحقيقية مستباحة جغرافياً وحدودياً ومائياً، والشعب العراقي يبحث عن مقومات عيشه البسيطة بعيداً عن شاشات التلفاز، بينما تستمر سلطة الظل الفوقية في إدارة الدولة بالوكالة، والهرب من المسؤولية الأخلاقية بإلقاء الجمر الحارق في حضن حكومات الواجهة التي يصنعونها بأيديهم.


البيت الأبيض والغرف المظلمة في بغداد: جدلية "الواجهة" وسلطة الظل

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا