news-details
مرأة

لا يقاس الذوق بالمقاس

بقلم/ميرنا حسن 

في عالم الموضة يظن كثيرون أن الأناقة تبدأ من المقاس الصحيح أو من التصميم الأحدث أو من القطعة الأغلى ثمنا لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير لأن الذوق لا يقاس بالمقاس ولا تحدده الأرقام ولا تصنعه العلامات التجارية بل يولد من الداخل حين يعرف الإنسان نفسه ويختار ما يعكس شخصيته دون أن يحاول أن يكون نسخة من أحد
قد يرتدي شخصان القطعة نفسها لكن أحدهما يلفت الأنظار بينما يمر الآخر دون أن يترك أثرا والسبب ليس في الملابس بل في الروح التي ترتديها فالأناقة لا تسكن الخزانة بل تسكن الثقة والهدوء والبساطة والقدرة على اختيار ما يناسب الإنسان لا ما يفرضه عليه الآخرون
الموضة ليست قوانين جامدة ولا صفحات في مجلة تنتهي بانتهاء الموسم بل هي مساحة واسعة للإبداع الشخصي وكل إنسان يكتب فيها قصته بطريقته الخاصة فمنهم من يفضل الألوان الهادئة لأنها تشبه طباعه ومنهم من يختار الألوان الجريئة لأنها تعكس طاقته ومنهم من يجد نفسه في القطع الكلاسيكية التي لا يغيب جمالها مهما تغير الزمن
المرأة تدرك أن الموضة ليست مجرد وسيلة للظهور الجميل بل هي وسيلة للشعور بالرضا عن النفس ولذلك لا يكون اختيارها لملابسها عشوائيا بل يحمل وراءه إحساسا ورغبة ورسالة فهي تعرف أن قطعة واحدة مناسبة قد تمنحها ثقة أكبر من خزانة كاملة لا تشبهها وأن الأناقة لا تحتاج إلى كثرة بل تحتاج إلى صدق في الاختيار
ولأن الموضة تتغير باستمرار فإن الإنسان الذي يجري خلف كل جديد قد يفقد هويته دون أن يشعر بينما يبقى صاحب الذوق الحقيقي قادرا على الاستفادة من كل جديد دون أن يتخلى عن أسلوبه الخاص فهو لا يرتدي ما يراه الجميع جميلا بل يرتدي ما يجعله يشعر بأنه هو بكل بساطة
وليس معنى الاهتمام بالموضة أن يصبح الإنسان أسيرا لها بل أن يجعلها وسيلة تعبر عنه فالملابس الجميلة التي لا تمنح صاحبها الراحة لا تحقق الأناقة والقطعة التي تحتاج إلى كثير من التصنع كي تبدو جميلة ليست أفضل من قطعة بسيطة تمنح الإنسان حرية الحركة وهدوء الإحساس
وفي كل موسم تظهر اتجاهات جديدة لكن تبقى هناك قطع لا تغيب أبدا لأنها تجاوزت فكرة الموضة المؤقتة وأصبحت جزءا من مفهوم الأناقة الدائمة فهي لا ترتبط بزمن معين ولا بعمر معين بل ترتبط بجمالها المتوازن وقدرتها على البقاء مهما تبدلت الصيحات
كما أن الموضة ليست مرتبطة بالمناسبات وحدها بل ترافق الإنسان في تفاصيل حياته اليومية فالملابس التي يختارها للعمل تختلف عن تلك التي يرتديها في لقاء عائلي أو في رحلة أو في مناسبة سعيدة لكن ما يجمعها جميعا هو أنها تعكس شخصيته وتكشف جانبا من طريقته في رؤية الحياة
وحين ننظر إلى تاريخ الشعوب نجد أن الموضة كانت دائما مرآة للحضارات فقد حفظت لنا الأزياء ملامح العصور المختلفة وروت لنا كيف عاش الناس وكيف فكروا وكيف عبروا عن أنفسهم ولذلك لم تكن الملابس مجرد أقمشة بل كانت وثيقة ثقافية تحمل روح الزمن الذي ولدت فيه
 تبقى الموضة رحلة لا تنتهي لأنها رحلة الإنسان في البحث عن صورته الحقيقية وكلما اقترب من نفسه اقترب من الأناقة الحقيقية فلا قيمة لملابس تبهر العيون إذا كانت لا تمنح صاحبها راحة القلب ولا معنى لصيحة يتبعها الجميع إذا كانت تطمس شخصية من يرتديها
ولهذا سيبقى الذوق أكبر من كل المقاسات وأوسع من كل الصيحات وأغلى من كل العلامات لأن الإنسان حين يرتدي ما يشبه روحه يصبح حضوره مختلفا وأناقته صادقة وصورته باقية في الذاكرة حتى بعد أن تتغير الموضة وتطوى صفحات المواسم ويبقى وحده شاهدا على أن الذوق الحقيقي لا يقاس بالمقاس بل بما يتركه من أثر جميل في النفوس

لا يقاس الذوق بالمقاس

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا