قيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد وجه فريق من جنده إلى طيء يقدمهم علىّ بن أبى طالب، فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع سبي طيئ في حظيرة بباب المسجد، وكانت سفانة بنت حاتم الطائي من ضمن السبي، وقد تميزت بالثقة والعزة، وجيء بها إلى المدينة مع السبايا اللاتي أسرهن المسلمون بعد غزوهم لقبيلتها، وكانت سفانة إلى جانب الإحسان وجود اليد، فصيحة اللسان إذا تكلمت أعجبت، وإن استرسلت أدهشت، قوية الشخصية، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت إليه وكانت امرأة جزلة فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علي من الله عليك قال " من وافدك؟ "
قالت عدي بن حاتم، قال " الفار من الله ورسوله؟ " قالت ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني، ومضى حتى مرّ ثلاث، فأشار إلي رجل من خلفه أن قومي فكلميه، ويقال أنه على بن أبى طالب رضى الله عنه، من قال لها ذلك، فقمت فقلت يا رسول الله، لا تشمت بي أحياء العرب، فإني بنت سيد قومي، كان أبي يفك الأسير ويحمي الضعيف، ويقري الضيف، ويشبع الجائع، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا بنت حاتم الطائي، أوليس الذي يتصف بتلك الخلال جديرا بأن يشفع في نفسه، ويشفع للآخرين بسجاياه؟، فرد صلى الله عليه وسلم يا جارية، هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، ثم قال لأصحابه خلوا عنها.
فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، أطلقوا من معها كرامة لها ولأبيها، ثم قال ارحموا ثلاثا وحق لهم أن يُرحموا، عزيزا ذل من بعد عزّه، وغنيا أفتقر من بعد غناه، وعالما ضاع ما بين جُهّال، ثم قال لها لا تعجلي حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك، ثم آذنيني، رأت في النبي صلى الله عليه وسلم، جودا لا كالجود، وكرما فاق كرم أبيها، محبا للفقير، يفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، فأيقنت أن هذا الخُلق الكريم لا يصدر إلا من قلب ينبض بالرحمة، فدعت له، اعترافا بالصنيع، وردا للجميل، ووفاء للإحسان، فقالت أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سببا في ردها عليه، واستأذنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكساها ومنحها راحلة تقلها.
واعطاها نفقة تكفيها وأسلمت وخرجت إلي الشام وكانت سبب في أسلام أخيها وقومها، فعندما ارتحلت سفانة حتى قدمت على أخيها عدي بالشام، لأنه لما سمع بخيل رسول الله صلى الله عليه وسلم هرب بأهله وولده وفرّ إلى الشام، فلما وصلت إليه أخبرته بما لقيت من رسول الله من كرم وحسن معاملة، وقالت له أرى أن تلحق به سريعا، فإن يكن نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فأنت أنت، فما كان منه إلا أن أخذ بمشورتها، وقدم على النبي، ثم أسلم.
بنت حاتم الطائي في السبي
بقلم / محمـــد الدكـــروري
التعليقات الأخيرة