news-details
مقالات

من هنا مرّت السيدة مريم... جولة في كنيسة العذراء بمسطرد على خطى العائلة المقدسة

 


بقلم: أزهار عبد الكريم
من أكثر من ألفي عام عندما اضطرت السيدة مريم العذراء ويوسف النجار إلى الهروب بالطفل يسوع من فلسطين خوفاً من بطش الملك هيرودس الكبير، وذلك في السنوات الأخيرة قبل الميلاد، حيث يرجح المؤرخون أن الرحلة إلى مصر كانت نحو عام 4 أو 3 قبل الميلاد، بينما توفي هيرودس عام 4 قبل الميلاد. حين استقبلت مصر العائلة المقدسة، لتنطلق في رحلة طويلة عبر العديد من المدن والقرى، حتى وصلت إلى المكان المعروف اليوم باسم المحمة بمدينة مسطرد.

فليست كل الأماكن التي نسير عليها يومياً تكشف لنا أسرارها فبين شوارع مدينة مسطرد بمحافظة القليوبية يقف أحد أهم الشواهد التاريخية والدينية في مصر، حيث ارتبط هذا المكان وفقاً للتراث المسيحي، بمرور العائلة المقدسة أثناء رحلتها إلى أرض مصر وتلك الرحلة التي خلدها التاريخ، وما زالت آثارها باقية حتى يومناً هذا.

 حيث يروي التراث الكنسي لنا  أن العائلة المقدسة توقفت هنا للاستراحة بعد مشقة السفر حيث وجدت عيناً للمياه العذبة، فاغتسلت السيدة مريم وغسلت ثياب الطفل يسوع، فأصبح المكان يعرف باسم المحمة  أي موضع الاغتسال، وهو الاسم الذي ظل متداولاً عبر القرون.
ومع انتشار المسيحية في مصر خلال القرون الأولى بعد الميلاد، أصبح هذا المكان مقصداً للمسيحيين والزائرين، لما يحمله من مكانة روحية وتاريخية.
وفي عام 1185 بعد الميلاد، شيدت كنيسة السيدة العذراء بمسطرد فوق هذا المكان المقدس وفقاً للتقليد الكنسي بمرور العائلة المقدسة، ثم شهدت الكنيسة أعمال ترميم وتوسعة في عصور متعاقبة مع الحفاظ على طابعها الأثري والروحي.
وعندما تزور الكنيسة و تعبر بوابتها حينها تشعر أنك انتقلت إلى صفحة من صفحات التاريخ. فهناك البئر التاريخية التي يرتبط وجودها بتوقف العائلة المقدسة بها كما يحرص آلاف الزائرين على رؤيتها كل عام.. كما يوجد بها الأيقونات القبطية القديمة، والمذابح، والزخارف التي تعكس جمال الفن القبطي المصري عبر العصور.
ولم تعد الكنيسة مجرد مكان للعبادة، بل أصبحت محطة رئيسية يقصدها الزائرون من داخل مصر وخارجها، خاصة في الاحتفالات السنوية التي تقام بها  إحياء لذكرى مرور العائلة المقدسة.
وفي السنوات الأخيرة، اكتسبت الكنيسة أهمية عالمية بعد إدراجها ضمن مسار العائلة المقدسة في مصر، وهو المشروع القومي الذي تتبناه الدولة لإحياء المواقع التي ارتبطت بهذه الرحلة التاريخية، وتحويلها إلى مقصد للسياحة الدينية والثقافية بما يعكس مكانة مصر باعتبارها الأرض التي احتضنت العائلة المقدسة خلال رحلتها.
وربما يعبر آلاف المواطنين يوميا بجوار كنيسة العذراء بمسطرد، دون أن يدركوا أن هذا المكان يحمل بين جدرانه قصة تمتد لأكثر من ألفي عام، وأن هذه البقعة الصغيرة من أرض القليوبية أصبحت جزءاً من رحلة خالدة في ذاكرة الإنسانية.
إن كنيسة السيدة العذراء بمسطرد ليست مجرد أثر تاريخي، بل رسالة تؤكد أن محافظة القليوبية تزخر بكنوز حضارية ودينية تستحق أن تروى وأن مصر ما زالت تحتفظ بين مدنها وقراها، بصفحات مضيئة من تاريخها العريق. فما زالت القليوبية تخفي بين ربوعها عشرات الحكايات التي تنتظر من يزيح عنها غبار الزمن ويعيد تقديمها للأجيال الجديدة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا