اليمن في قلب العاصفة: حين تلتقي الحرب الإقليمية بأزمة الدولة
لم تعد التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد حرب أمريكية إيرانية، ولا مجرد مواجهة بين طرفين إقليميين. فالحرب تتسع عبر شبكة من الحلفاء والجبهات، من الخليج إلى العراق ولبنان والبحر الأحمر، فيما تحاول إيران رفع كلفة المواجهة باستخدام ما يسمى بمحور المقاومة، بينما تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تضييق الخناق على طهران ومنعها من تحويل المنطقة إلى ساحات ضغط مفتوحة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف اليمن، لا بوصفه طرفاً مستقلاً في الحرب، بل باعتباره واحداً من أهم مفاتيحها الجغرافية. فباب المندب، المقابل لمضيق هرمز، يمنح اليمن أهمية استراتيجية هائلة، لكنه يكشف في الوقت نفسه مأساة الدولة اليمنية التي بات موقعها الجغرافي أكثر حضوراً من قرارها الوطني.
البيانات الأخيرة الصادرة عن صنعاء، وما تضمنته من تهديدات للسعودية، وإعلان منع السفن السعودية من عبور باب المندب، والتهديد باستهداف منشآت سعودية، تعني أن مرحلة التهدئة والمغازلة التي استمرت سنوات بين الرياض وصنعاء دخلت مرحلة جديدة. فقد كان الطرفان، رغم اختلاف أهدافهما، يلتقيان عند مصلحة مشتركة: تجنب العودة إلى الحرب المفتوحة. أما اليوم، فقد أعادت الحرب الأمريكية الإيرانية خلط الأوراق، وأصبح الملف اليمني متشابكاً بصورة مباشرة مع الصراع الإقليمي.
لم تعد الرياض تنظر إلى صنعاء باعتبارها طرفاً يمنياً يمكن فصل ملفه عن أمنها الإقليمي، كما لم تعد صنعاء تتعامل مع السعودية باعتبارها مجرد طرف في الأزمة اليمنية. لقد دخل الطرفان، شاءا أم أبيا، في معادلة أكبر منهما.
لكن التطور اللافت لا يأتي من الجانب العسكري وحده. فبيان الحكومة الشرعية بشأن استئناف تصدير النفط والغاز، وربط عائداته بخدمة الشعب اليمني وصرف رواتب موظفي الدولة على مستوى الجغرافيا اليمنية، يمثل تحولاً مهماً في الخطاب والرؤية. فالثروة الوطنية، التي ظلت طوال سنوات جزءاً من الصراع ومصدراً للاتهامات والتجاذبات، تعود اليوم إلى الواجهة باعتبارها قضية وطنية لا مورداً جغرافياً أو غنيمة سياسية.
وهنا تبرز مفارقة المشهد اليمني: ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التهديدات العسكرية، تفرض الأزمة الاقتصادية نفسها على الجميع. لا تستطيع أي سلطة الاستمرار في تعطيل النفط إلى ما لا نهاية، ولا يستطيع اليمن تحمل بقاء ملايين الموظفين خارج منظومة الرواتب، ولا يمكن استمرار الانقسام النقدي والمالي دون أن يتحول إلى انهيار شامل.
ولهذا قد يكون التطور الاقتصادي أهم من الضجيج العسكري. فاستئناف تصدير النفط والغاز، إذا ترافق مع آلية شفافة ومستقلة لإدارة العائدات، يمكن أن يفتح باباً لتسوية طال انتظارها. أما إذا عاد النفط إلى التصدير، وبقيت عائداته رهينة الفساد والصراع، فلن يكون ذلك سوى إعادة إنتاج للأزمة بأدوات جديدة.
الأيام والأسابيع المقبلة ستكون شديدة الحساسية. والسيناريو الأرجح هو تصعيد مضبوط، تتخلله رسائل عسكرية وتهديدات واستهدافات محدودة، مع استمرار القنوات الخلفية لمحاولة منع الانزلاق إلى حرب شاملة. لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول اليمن إلى جبهة مباشرة في الحرب الأمريكية الإيرانية، فتعود البلاد من ملف قابل للتسوية إلى ساحة من ساحات الصراع الإقليمي.
ومع ذلك، قد تحمل الأزمة نفسها فرصة نادرة. فارتفاع كلفة الحرب، وحاجة السعودية إلى أمن حدودها وممراتها البحرية، وحاجة صنعاء إلى تثبيت مكاسبها، وحاجة الحكومة الشرعية إلى الموارد، وحاجة المجتمع الدولي إلى استقرار الملاحة، قد تدفع جميع الأطراف إلى إعادة اكتشاف حقيقة ظلت مؤجلة: لا يمكن حل الأزمة اليمنية من بوابة القوة وحدها.
اليمن يقف اليوم أمام مفترق خطير. إما أن يتحول موقعه الاستراتيجي إلى ورقة تفاوضية تعيد له جزءاً من الدولة والاقتصاد والسيادة، أو يتحول إلى منصة حرب إقليمية جديدة تبتلع ما تبقى من مؤسسات الدولة.
إن باب المندب قد يكون أقوى ورقة في يد اليمن، لكنه يصبح أخطر ورقة عليه عندما لا يكون اليمن هو صاحب القرار فيها. والنفط قد يكون فرصة لإنقاذ البلاد، لكنه يتحول إلى لعنة جديدة إذا بقيت عائداته ملكاً للسلطات لا للشعب.
الخلاصة أن اليمن عاد إلى قلب المشهد الإقليمي، لكن السؤال الحقيقي ليس: من يملك القوة للسيطرة على اليمن؟ بل: هل يستطيع اليمنيون تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لاستعادة الدولة، وتوحيد الاقتصاد، وصرف الرواتب، وحماية الثروة الوطنية، أم سيتركون بلادهم مرة أخرى تتحول إلى ساحة تتصارع فيها القوى الكبرى، بينما يدفع اليمنيون وحدهم الثمن؟
ففي النهاية، لا ينبغي أن يكون باب المندب ملكاً لصنعاء أو الرياض أو طهران أو واشنطن، كما لا ينبغي أن يكون النفط ملكاً لسلطة أو منطقة. كلاهما ملك لليمن، وكل ما عدا ذلك تفاصيل مؤقتة في بلد دفع ثمناً باهظاً لأن الآخرين امتلكوا السلاح، بينما ظل هو يبحث عن الدولة.
#اشارة
#المتابعين
علي النسي علي ناجي الرعوي علي البخيتي د. اسماعيل الجرموزي @إشارة علي الشعباني عبدالله مثني شمس جبلة أحمد على المالكي خالد طه المقطري علي الريمي عبدالله الكبسي حسين الاملحي محمد عبدالله حميد بديل أحمدالغاري الغابري دحباشي شمه بردقان Adel Khatm لبيب مفلح علي المرقب علي المرقب Abdul Aldhaheri سبأ عبدالرحمن القوسي حسين علي الأملحي ابو الحضارات القوسي سيف صالح مقبل السوادي سالم العامرى صفحة يمني مقهور صالح علي الظاهري توفيق الحرازي صحفي صادق السماوي حمدي دوبلة جميل مفرح جبر غلاب جهاد يحيى
التعليقات الأخيرة