news-details
مقالات

التعليم لا يشيخ… كيف فتحت سيدتان في الثالثة والثمانين باباً جديداً لتمكين المرأة في الوطن العربي؟ 

 


الكاتبة/ مي جوهر 

عندما دخلت قاعة المناقشة بجامعة القاهرة عام 2023، لم يكن أحد يتوقع أن صاحبة رسالة الدكتوراه هي سيدة في الثالثة والثمانين من عمرها، تجلس على كرسي متحرك بسبب آلام المفاصل المزمنة التي تعاني منها منذ سنوات، وتحمل بين يديها أوراق بحثها بيد ترتجف من الحماس لا من الخوف. هذه هي ثريا عبد الباسط، المصرية التي حطمت كل القوالب الجاهزة، وأثبتت أن حلم التعلم لا يموت مهما طال الزمن، ولا يمنعه مرض ولا يوقف له كبر السن.

وليس هذه القصة استثناءً يندر تكراره، ففي الأحداث الأخيرة شهدت جامعة المنصورة ملحمة إرادة جديدة بهذا المعنى حصول السيدة آمال إسماعيل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع بعد بلوغها سن 83 سنة. 

قصة آمال تضيف بعداً جديداً لهذا النضال: خاضت صراعاً مريراً مع مرض السرطان، خرجت منه منتصرة بعد سنوات من العلاج الشاق، وعندما بلغت 68 سنة من عمرها لم تعتبر أن رحلة الحياة انتهت. 

 بل قررت أن تبدأ من الصفر تماماً عادت لاستكمال الدراسة بدءاً من شهادة الثانوية العامة.
 بعد نجاحها في هذه الخطوة التحقت بكلية الآداب، وواصلت رحلتها حتى نالت الماجستير ثم الدكتوراه، لتعطي أملاً لملايين السيدات اللاتي أرجأت أحلامهن لظروف الحياة.

منذ عقود ونحن نسمع خطابات عن تعليم المرأة تقتصر في الغالب على مرحلة الطفولة والشباب: "علموها لحد ما تتزوج"، "اعطوها فرصة التعليم في شبابها"، ثم تغلق كل الأبواب بعد أن تنال المرأة أول شهادة أو تتزوج أو تنجب أبناءها. 

النظرة المجتمعية الغالبة تصنف التعليم كمرحلة عمرية تنتهي في العشرينات أو الثلاثينات على الأكثر، وخصوصا بالنسبة للمرأة بعد أن تكتمل مسؤولياتها كزوجة وأم، يصبح التعليم ترفا لا لزوم له، وإن فكرت المرأة في إكمال دراستها في سن الأربعين أو الخمسين أو أكثر، تسمع عبارات مثل "فات القطار"، "ليه التعب في سنك دي؟". 
حتى أن الكثيرين يعتبرون أن تعليم المرأة أصلا هدفه فقط تربية الأبناء، لا تحقيق حلمها الخاص أو تطوير قدراتها، فما بالك لو كانت في سن الثمانين؟

لكن قصص ثريا عبد الباسط وآمال إسماعيل تقلب كل هذه المفاهيم رأسا على عقب. 
تخرجت ثريا من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1965، وعملت مدرسة لسنوات، لكن حلمها الحقيقي كان الحصول على الدكتوراه في مجال الأدب الشعبي المصري الذي أحبته منذ شبابها.
 ظروف الحياة حالت بينها وبين حلمها تزوجت وأنجبت أربعة أبناء، واضطرت لتأجيل حلمها عشرات السنوات حتى تربي أبنائها وتكمل تعليمهم.
 حتي كبر الأولاد واستقروا، كانت في السبعين من عمرها، لكنها لم تتخلى عن الحلم. تقدمت للدراسات العليا، وعلى مدى 13 عاما، وهي تعاني من أمراض مزمنة تحتاج إلى علاج مستمر، لم تتوقف عن الدراسة كانت تقرأ لساعات كل يوم، تتنقل بين المكتبات، تقابل مشرفها حتى وهي تعاني من الآلام، حتى أنهت بحثها ونالت الدكتوراه بتقدير امتياز. 

لما سئلت بعد المناقشة عن سبب فعلها هذا في عمرها، أجابت ببساطة التعليم هو الحياة، والحياة لا تتوقف لمجرد أننا كبرنا في السن.

هذه القصص ليست مجرد قصص شخصية ملهمة، بل هي دعوة قوية لإعادة التفكير في كل مفاهيمنا عن تعليم المرأة في الوطن العربي. 
كم من سيدة تحمل بينها قدرات هائلة وثقافة عالية وخبرة تراكمية في مجالات متعددة، لكنها لم تحصل على الفرصة لإكمال تعليمها في شبابها إما تزوجت مبكرا، إما اضطرت للعمل لمساعدة أسرتها بدلا من التعليم، إما أن ظروف المجتمع في الماضي منعتها من إكمال الدراسة.

 اليوم، بعد أن أتمت مسؤولياتها، لديها الرغبة والقدرة على التعلم والتطوير، لكن البوابات تظل مقفولة في وجهها.

نحن نعيش في عصر التغير التكنولوجي المتسارع، كل يوم يظهر جديد في مجالات العمل والمعرفة، والمهارات التي كانت كافية قبل عشر سنوات أصبحت غير كافية اليوم.

 وسوق العمل في كل قطاعاته يشترط للحصول على أي وظيفة، حتى التي تحتاج خبرة أكثر من الشهادة، مؤهل عالي معترف به. 

والمجتمع لا يعترف بقدرات المرأة إلا إذا كانت مثبتة بشهادة رسمية، حتى لو كانت المرأة تمتلك ثقافة وخبرة تفوق أي حامل شهادة جامعية آلاف السيدات تعلمن التصميم الرقمي والتسويق والتربية والكتابة والعديد من المجالات بأنفسهن، طورن قدراتهن إلى مستوى عال جدا، لكن لما يقدمن على وظيفة أو مشروع، يصطدمن بالشرط الأول: "مؤهل عالي معترف به"، فكل قدراتهن تذهب هباء بسبب حاجز بسيط لكنه قاتل.

قصص ثريا وآمال أثبتت لنا أن الحلم لا يشيخ، وأن الرغبة في التعلم لا تموت مهما كان السن ومهما كانت الظروف. كل ما نحتاجه هو أن نكسر القوالب الفكرية القديمة التي تقصر التعليم على سن معين، وتعتبره ترفا للمرأة بعد أن تنتهي مرحلة الشباب. 
التعليم حق أصيل لكل إنسان، في أي عمر، وفي أي ظرف، والمرأة  ضاعت منها مئات الآلاف من الفرص في الماضي، فلا يجب أن تضيع فرصها في الحاضر.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا