هل كنتِ تحبينني؟
— أنتِ تأخرتِ.
قالها الرجل للمرأة الجالسة أمامه.
رفعت عينيها إليه.
— عن ماذا؟
— عن الموعد.
نظرت حولها.
المقهى شبه خالٍ. طاولة صغيرة، كوبان، ونافذة يضربها مطر خفيف.
— نحن لم نتواعد.
ابتسم.
— أعرف.
— إذن لماذا جئت؟
نظر إلى يديها.
كانتا أصغر مما ينبغي.
— لأنكِ لم تتغيري.
ضحكت.
— وأنت؟
صمت قليلًا.
ثم قال:
— أنا تغيّرت بما يكفي كي أعرف أنكِ لم تكوني هنا.
سكتت.
وللمرة الأولى، بدا له أن صمتها يشبه ذلك الصمت القديم.
الصمت الذي سبق رحيلها.
كان في الثالثة عشرة يوم رآها تمضي إلى غيره.
لم يكن يعرف آنذاك أن الفقد قد يحدث أمام العينين، دون أن يستطيع المرء أن يمد يده.
كان لا يزال يحتاج إلى أبيه.
إلى البيت.
إلى من يقول له ماذا يفعل حين تضيق الدنيا.
لكن أحدًا لم يقل له.
لذلك فعل ما يفعله الصغار حين يعجزون عن مواجهة الحقيقة:
ابتسم.
وقال إنه بخير.
ثم عاد إلى البيت، حاملاً سرًا لا يعرف كيف يسميه.
في اليوم التالي، بدأ النسيان.
أو هكذا ظن.
بعد أربعين عامًا، كان لا يزال يظن.
— هل كنتِ تعرفين؟
سألها.
— ماذا؟
— أنني أحببتكِ.
تأملت وجهه طويلًا.
— كنتَ في الثالثة عشرة.
— وهذا جواب؟
— هذا تفسير.
— لِماذا؟
— لأنك كنتَ صغيرًا.
— كنت صغيرًا بما يكفي لأحتاج إلى أبي، نعم.
ثم أضاف:
— لكنني كنت كبيرًا بما يكفي لأفقدكِ.
لم تجبه.
خارج النافذة، مرّت امرأة جميلة.
التفت إليها.
وللحظة قصيرة، غاب وجه المقهى.
لم ير المرأة.
رأى شيئًا من الماضي.
لمحة.
انحناءة رأس.
ابتسامة بعيدة.
ثم عادت السنوات إلى مكانها.
— هل ما زلتَ تبحث عني؟ سألت.
— لا.
— كذبت.
— لم أعد أبحث عنكِ.
— وما الفرق؟
نظر إليها.
— البحث يحتاج إلى أمل.
سكتت.
— وماذا بقي؟
قال:
— المرايا.
لم تفهم.
فأضاف:
— كلما رأيت امرأة جميلة، ظننت أن في وجهها شيئًا منكِ.
— وهل وجدتني؟
— لا.
— إذن لماذا تواصل النظر؟
ابتسم.
— لأنني لا أبحث عنكِ أنتِ.
— عن ماذا إذن؟
هذه المرة طال صمته.
كان السؤال، في الحقيقة، أقدم من المقهى.
أقدم من عمره كله.
ثم قال:
— عن الصبي الذي كان يراكِ.
تغيّر وجهها.
أو خُيّل إليه ذلك.
— وماذا تريد منه؟
— أن أسأله لماذا لم يقل شيئًا.
— ولماذا لم يقل؟
نظر إلى النافذة.
إلى المطر.
إلى الطريق الذي لا يعرف أحد إلى أين ينتهي.
— لأنه كان ينتظر أن يكبر.
— وهل كبر؟
ابتسم الرجل.
— ظاهريًا.
في تلك اللحظة، رنّ هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
لم يكن هناك اسم.
ولا رقم.
فقط وقتٌ متأخر من الليل.
رفع عينيه إليها.
لكن المقعد المقابل كان خاليًا.
ظل ينظر إليه.
ثم قال للنادل:
— هل كانت هناك امرأة تجلس هنا؟
نظر النادل إلى الكرسي.
— أي امرأة؟
لم يجب.
في الطريق إلى البيت، مرّ بواجهة زجاجية.
رأى انعكاسه.
رجل في السادسة والخمسين.
ثم، للحظة خاطفة، لم يرَ الرجل.
رأى صبيًا.
ثلاثة عشر عامًا.
واقفًا على مسافة من الطريق.
يرى فتاةً تمضي.
ولا يفعل شيئًا.
رفع الرجل يده إلى الزجاج.
لكن الصبي لم يرفع يده.
ظل واقفًا.
كما كان.
وكأن أربعة عقود لم تكن سوى غياب قصير.
قال الرجل:
— كان ينبغي أن تقول شيئًا.
نظر الصبي إليه.
ثم سأل:
— وهل كنتَ ستعرف ماذا تقول؟
لم يجد جوابًا.
ابتسم الصبي.
ومضى.
هذه المرة أيضًا.
إلى غيره.
التعليقات الأخيرة