news-details
مقالات

الإعلامى الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : الهروب إلى المجهول... لماذا يلقي الآلاف بأنفسهم في البحر من المغرب إلى إسبانيا؟ وهل أصبحت أوروبا الحلم الأخير؟

لم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد فاصل جغرافي بين إفريقيا وأوروبا، بل تحول إلى مقبرة مفتوحة تبتلع كل عام أحلام آلاف البشر. رجال... نساء... أطفال... وحتى رضع لم يتجاوزوا أشهرهم الأولى، يركبون قوارب متهالكة أو يلقون بأنفسهم في المياه الهائجة، وهم يدركون أن الموت قد يكون أقرب إليهم من اليابسة الأوروبية.

المشاهد التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية خلال الأيام الأخيرة لم تكن مجرد محاولة هجرة غير نظامية، بل كانت صرخة إنسانية مدوية. آلاف الأشخاص اندفعوا نحو البحر والأسوار الحدودية في وقت واحد، في مشهد هز الرأي العام الأوروبي، وأجبر السلطات الإسبانية على نشر قوات إضافية من الجيش والشرطة، بينما كثفت السلطات المغربية جهودها لاحتواء الأزمة ومنع المزيد من محاولات العبور.

لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه العالم ليس: كيف وصل هؤلاء إلى الحدود؟ بل: لماذا قرروا أن يغامروا بحياتهم أصلًا؟

فلا يوجد أب يحمل أطفاله إلى البحر لأنه يعشق المغامرة، ولا أم تخاطر بحياة أسرتها من أجل رحلة ترفيهية، ولا شاب يودع أهله وهو يعلم أنه قد لا يعود إلا إذا شعر أن المستقبل الذي ينتظره في وطنه أصبح أكثر قسوة من أمواج البحر نفسها.

وتتداخل وراء هذه الموجة أسباب عديدة؛ منها البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف فرص العمل، واتساع الفجوة بين ما يراه الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن الحياة في أوروبا وما يعيشه على أرض الواقع. كما تدفع النزاعات وعدم الاستقرار في عدد من الدول الإفريقية آلاف المهاجرين إلى اتخاذ المغرب محطة أخيرة قبل محاولة الوصول إلى أوروبا، في رحلة غالبًا ما تنتهي بمأساة.

وفي المقابل، تستغل شبكات تهريب البشر هذا اليأس، فتبيع الوهم مقابل آلاف الدولارات، وتقنع ضحاياها بأن البحر مجرد عقبة صغيرة تفصلهم عن "الجنة الأوروبية". وعندما تنقلب القوارب أو يغرق الأطفال، يختفي المهربون، بينما تبقى الأسر تبحث عن جثث أبنائها على الشواطئ.

أما أوروبا، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن ناحية، تؤكد حقها في حماية حدودها ومنع الهجرة غير النظامية، ومن ناحية أخرى تواجه ضغوطًا إنسانية وأخلاقية متزايدة مع تكرار مشاهد الغرق والموت على أبوابها.

ويبقى السؤال الأكبر: هل تكفي الأسلاك الشائكة والزوارق العسكرية لإيقاف الهجرة؟ أم أن وقف هذه المأساة يبدأ من خلق فرص عمل، وتحسين التعليم، وتعزيز التنمية، ومحاربة الفقر، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، حتى لا يصبح البحر هو الخيار الوحيد أمام من فقدوا الأمل؟

إن الأزمة التي نشهدها اليوم ليست أزمة حدود بين المغرب وإسبانيا فحسب، بل هي مرآة لأزمة أعمق يعيشها جزء كبير من العالم النامي، حيث أصبح اليأس أقوى من الخوف، وأصبحت المخاطرة بالموت في البحر، بالنسبة للبعض، أقل قسوة من البقاء في واقع لا يمنحهم فرصة للحياة.

ويبقى السؤال الذي سيظل يطارد الحكومات والمنظمات الدولية: كم طفلًا آخر يجب أن يبتلعه البحر؟ وكم أمًا يجب أن تفقد أبناءها؟ وكم شابًا يجب أن يختفي في أعماق المتوسط، حتى يدرك العالم أن الهجرة غير النظامية ليست جريمة، بل في كثير من الأحيان نتيجة مأساوية لأزمات اقتصادية واجتماعية وإنسانية لم تجد من يعالج جذورها؟

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا