*أتدرون من المفلس؟*
يقول الدكتور عبدالكريم بكار:
"لفت انتباهي اليوم منشورٌ لشابٍ أعلن وفاة رجلٍ قال إنه استولى على ميراثهم وهم أيتام، ثم ختم كلماته بقوله: "اللهم إني أشهدك أننا لم نسامح" ..
لا أعرف تفاصيل القصة، ولا أحكم على أشخاصها... لكن الذي هزّني ليس الخبر، بل الفكرة، كم من إنسانٍ يجتهد طوال عمره في جمع المال، ثم يرحل، ويبقى المال سببًا في أن ترفعه الأيدي بالدعاء عليه بدل الدعاء له"، انتهى.
ليس كلُّ إرثٍ يُقسم بين الورثة، فبعض الناس يرحلون، ويتركون وراءهم إرثًا أثقل من الأموال؛ يتركون مظالم لا تموت، ودموعًا لا تجف، ودعواتٍ لا ينقطع صعودها إلى السماء، ومؤلمٌ أن يقضي الإنسان عمره يجمع المال، ثم يكتشف – بعد أن يُوارى الثرى – أن ما جمعه لم يكن سببًا لرحمة الناس به، بل سببًا في خصوماتٍ تتجدد، وقلوبٍ تتألم، وألسنةٍ تقول: اللهم خذ لنا حقنا منه ..
كم هي موجعة تلك اللحظة التي يذكر فيها اسم الميت، فلا تُستحضر مآثره، بل تُفتح دفاتر المظالم التي أغلقها بالموت، ولم تُغلقها الحقوق.
وليست المأساة أن يرحل الإنسان عن الدنيا، فكلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت، وإنما المأساة أن يرحل وتبقى خلفه حقوقٌ لم تُؤد، وقلوبٌ مكسورة، وأيدٍ ترتفع إلى السماء تشكو ظلمه بدل أن تدعو له بالرحمة، فكم من أناسٍ أفنوا أعمارهم في جمع الأموال، ثم تركوها وراءهم، لكنها لم تكن إرثًا من الخير، بل كانت سببًا في خصوماتٍ لا تنتهي، ودعواتٍ تلاحقهم بعد موتهم ..
وإن أخطر ما يتركه المرء ليس قلة المال، بل كثرة المظالم، فالمال الذي بُني على ظلمٍ أو أُخذ بغير حق، قد يتحول يوم القيامة إلى حملٍ ثقيل، تُقتطع بسببه الحسنات، ويقف صاحبه مفلسًا بين يدي الله.
وقبل أن تزيد رصيدك في البنوك، فتأمل رصيدك عند الله، وقبل أن تكتب وصيتك لأبنائك، فتأكد أنك لا تترك في أعناقهم خصوماتٍ بسبب ظلمٍ ارتكبته، ولا في رقبتك حقوقًا يطالب بها أصحابها يوم القيامة ..
فما أكثر من خلَّفوا أموالًا تقاسمتها الأيدي، وما أقل من خلَّفوا أثرًا طيبًا، وقلوبًا صادقةً ترفع أكفَّها قائلة: اللهم اغفر له، وارحمه، واجزه عنَّا خير الجزاء.
*ترويقة:*
قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
«أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، فيؤخذ من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار».
*ومضة:*
فما أكثر من خلَّفوا عقاراتٍ وأرصدةً، وتركوا وراءهم أموالًا طائلة، وما أقل من تركوا وراءهم قلوبًا تدعو لهم بالخير والصلاح، ويا لها من خسارة أن يموت الإنسان، فلا يذكر الناس إحسانه، وإنما يذكرون المظالم التي تركها خلفه.
*رابط:*
https://x.com/i/status/2083529822039318788
✒️ صَالِح الرِّيمِي
*كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك*
التعليقات الأخيرة