حين يتحدث الظلام... أسرار الثقوب السوداء بين الحقيقة والخيال
بقلم أزهار عبد الكريم
هناك ظلام يخيف الإنسان لأنه يحجب الرؤية وهناك ظلام آخر يبهر العلماء لأنه يخفي أسراراً قد تغير فهمنا للكون كله.
لنبدأ رحلتنا في أعماق المجرات حيث لا تصل أشعة الشمس ولا تستطيع أقوى التلسكوبات رؤية ما يحدث داخلها فهناك يقبع أحد أكثر الأجسام غموضاً في الوجود وهو الثقب الأسود.
ولعل أول ما يجب تصحيحه هو أن الثقب الأسود ليس ثقباً بالمعنى الذي توحي به الكلمة وليس بوابة سحرية تبتلع الكون كما تصورها أفلام الخيال العلمي، بل هو منطقة تجمع فيها الزمان والمكان فى الفضاء انهارت فيها كمية هائلة من المادة تحت تأثير جاذبيتها، حتى أصبحت كثافتها هائلة إلى درجة أن سرعة الإفلات منها أصبحت أكبر من سرعة الضوء نفسها.
ولأن الضوء هو أسرع ما نعرفه في الكون، فإنه لا يستطيع الهروب من هذه المنطقة ولهذا تبدو سوداء تماماً لا لأنها لون أسود بل لأنها لا ترسل إلينا أي ضوء يمكن لاعيننا أو لتلسكوباتنا التقاطه
ويحدث الثقب الأسود عندما يصل نجم عملاق إلى نهاية عمره. فبعد ملايين أو مليارات السنين من إنتاج الطاقة يستهلك وقوده النووي وتتوقف الطاقة الناتجة عن الاندماج النووي وتفقد الحرارة قدرتها على مقاومة الجاذبية. عندها ينهار النجم على نفسه في لحظات فإذا كانت كتلته كبيرة بما يكفي يتكون ثقب أسود.
لكن الغريب و المثير للدهشة أن هذا الجسم الهائل ليس مكنسة كونية تبتلع كل ما يقترب منها أو يحيط بها. فجاذبيته تخضع للقوانين الفيزيائية نفسها التى تحكم بقية الأجرام السماوية
فلو استبدلنا الشمس بثقب أسود له الكتلة نفسها وهو افتراض نظري . إذا لاستمرت الأرض في الدوران في مدارها المعتاد كما هي لأن الجاذبية تعتمد على الكتلة والمسافة، لا على طبيعة الجسم ذاته بمعني لا فرق بين أن يكون هذا الجسم نجماً أو ثقباً أسود.
أما الخطر الحقيقي فيبدأ عندما يقترب جسم ما كثيراً من الثقب الأسود فيدخل منطقة تسمى أفق الحدث. وهذا ليس جداراً ولا سطحاً صلباً بل هو الحد الذي إذا تجاوزه الضوء نفسه ولأن الضوء هو أسرع مانعرفه فى الكون فهو يعجز عن الافلات من تلك الجاذبية الهائلة ولن يستطيع العودة إلى الكون الذي نعرفه.
ولأن الضوء لا يعود من هناك لذ لم يتمكن العلماء من رؤية الثقب الأسود مباشرة لكنهم
استطاعوا رصد آثاره. فقد لاحظوا نجوماً تدور بسرعات مذهلة حول نقطة غير مرئية وشاهدوا غازات فائقة السخونة تلتف حول جسم خفي قبل أن تختفي داخله محدثه طاقه هائلة تكشف عن وجوده أو تطلق طاقة تفوق ما تنتجه مجرات بأكملها في بعض الأحيان.
وفي عام 2019 تحقق إنجاز تاريخي عندما نجح فريق دولي في نشر أول صورة لظل ثقب أسود، ثم تبعها لاحقًا تصوير ظل الثقب الأسود في مركز مجرتنا. وما ظهر في الصورة لم يكن الثقب الأسود نفسه بل الحلقة المضيئة للغاز الساخن المحيط به، بينما بدا مركزها مظلماً لأن الضوء القادم من داخله لا يصل إلينا. ومع كل هذا التقدم لا يزال العلماء يختلفون حول ما يحدث داخل أفق الحدث. فهناك وما تزال الثقوب السوداء من أعظم ألغاز الفيزياء فما يحدث داخل أفق الحدث لا يزال خارج حدود الفهم الكامل إذ تتوقف معارفنا الحالية عند حدود النظريات ويبدا عالم لم تنجح الفيزياء بعد فى وصفه بصورة نهائية حتى الآن ولم تستطع توحيد قوانين الجاذبية مع قوانين ميكانيكا الكم داخل هذه البيئات المتطرفة. ولهذا تبقى الثقوب السوداء من أكبر المختبرات الطبيعية التي تختبر حدود العلم.
لكن ربما يكون الدرس الأجمل الذي تمنحه لنا الثقوب السوداء هو أن الظلام لا يعني دائماً الفراغ، وأن ما لا نراه قد يكون أكثر تأثيراً مما نراه.
ولقد تعلم الإنسان عبر تاريخه أن يحكم بعينيه، لكن الكون علمه أن هناك أشياء لا ترى ومع ذلك تتحكم في حركة النجوم وتشكل المجرات وتعيد كتابة قوانين الفيزياء.
فكلما ازداد الظلام عمقاً ازداد الشغف لمعرفة ما خلفه
وهكذا يقف العلماء اليوم أمام الثقوب السوداء كما وقف البحارة قديماً أمام المحيطات المجهولة لا يحملون كل الإجابات بل يحملون شجاعة وإيماناً بأن وراء كل لغز حقيقة تنتظر من يكتشفها.
وربما لهذا السبب سيبقى الظلام في لغة الكون ليس نهاية الرؤية بل بداية الاكتشاف.
التعليقات الأخيرة