نفحات الجمعة: بين اضطراب العالم وثبات القيم: قراءة تربوية في مشهد الصراع الدولي ومأساة غزة" بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي
.
مقدمة:
في كل صباح جمعة تهب على الأرواح نسائم الإيمان، فتتجه القلوب إلى السماء، وترتفع الأكف بالدعاء، وتستيقظ في النفوس معاني الرحمة، والعدل، والسلام. غير أن العالم اليوم يستقبل هذه النفحات الربانية على وقع أصوات المدافع، وضجيج الصراعات، ودموع الأطفال، وأنين الأمهات، حتى أصبح الإنسان المعاصر يعيش بين تقدم مذهل في التكنولوجيا، وتراجع مؤلم في القيم الإنسانية.
إن الأحداث العالمية المتلاحقة، وما تشهده المنطقة من توترات،وصراعات، وما تعيشه غزة من معاناة إنسانية، ليست مجرد أخبار سياسية عابرة، بل هي رسائل تربوية عميقة، تدعونا إلى مراجعة أنفسنا، وإعادة بناء الإنسان على أساس الإيمان والوعي والأخلاق، فالأزمات لا تصنعها القوة وحدها، وإنما يصنعها أيضًا غياب الحكمة، وضعف الضمير، وانهيار منظومة القيم.
المحور الأول: تقلبات السياسة وثبات سنن الله
مهما بلغت قوة الدول، ومهما امتلكت من وسائل الردع، فإن التاريخ يعلمنا أن القوة وحدها لا تصنع الاستقرار، وأن موازين الأرض تتغير، بينما تبقى سنن الله ثابتة لا تتبدل.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
فالصراع بين الدول، ومنه التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يعكس تعقيدات المصالح الدولية، لكنه يذكرنا أيضًا بأن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بالحكمة والعدل والحوار، وأن الشعوب هي أول من يدفع ثمن الحروب مهما كانت أسبابها.
المحور الثاني: غزة... امتحان الضمير الإنساني:
تبقى غزة عنوانًا للألم ،والصمود في آن واحد، حيث يعيش المدنيون ظروفًا إنسانية بالغة القسوة، وتستمر معاناة الأطفال والنساء والأسر التي فقدت الأمن والاستقرار.
إن الموقف الأخلاقي يقتضي رفض استهداف المدنيين أينما كانوا، والدعوة إلى حماية الإنسان، وإغاثة المحتاج، والعمل على إنهاء دوائر العنف، لأن كرامة الإنسان قيمة لا ينبغي أن تخضع لموازين السياسة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
المحور الثالث: ماذا تعلمنا الأزمات؟:
الأحداث الكبرى ليست مجرد وقائع سياسية، بل مدارس تربوية مفتوحة، ومن أهم دروسها:
١)أن بناء الإنسان أهم من بناء السلاح.
٢)وأن الأخلاق هي خط الدفاع الأول عن الأمم.
٣)وأن الوعي يحمي العقول من الشائعات والتضليل.
٤)وأن الحوار الصادق خير من سنوات طويلة من الصراع.
٥)وأن الحضارة الحقيقية تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان، لا بقدرتها على تدميره.
المحور الرابع: مسؤولية الأسرة والمربي:
في زمن الأزمات تزداد مسؤولية الأسرة، والمعلم، والداعية، والمفكر؛ فالعقول الصغيرة تتشكل بما تراه وتسمعه.
لذلك ينبغي أن نربي أبناءنا على:
حب السلام القائم على العدل.
احترام الإنسان مهما اختلف دينه أو جنسه.
التفكير الناقد وعدم الانسياق وراء الشائعات.
الإيمان بأن الإصلاح يبدأ من النفس قبل أن يبدأ من العالم.
المحور الخامس: رسالة الجمعة:
إن الجمعة ليست يوم عبادة فحسب، بل يوم مراجعة وتجديد للعهد مع الله، وبناء للأمل في النفوس.
فلنجعل دعاءنا هذا اليوم أن يرفع الله الظلم عن المظلومين، وأن يحفظ الأبرياء، وأن يؤلف بين القلوب، وأن يرزق قادة العالم الحكمة، وأن يجعل السلام المبني على العدل والكرامة واقعًا تعيشه الإنسانية.
قال رسول الله ﷺ:
"الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء."
الخاتمة:
ستظل الحروب صفحات سوداء في تاريخ البشرية، أما القيم فهي النور الذي يهدي الأمم إلى مستقبل أفضل. وإن أعظم رسالة يمكن أن نقدمها للأجيال هي أن القوة بلا أخلاق ضعف، وأن الحضارة بلا عدل انهيار، وأن الإيمان الصادق يصنع إنسانًا يبني ولا يهدم، ويصلح ولا يفسد، ويغرس الأمل حيث يحاول اليأس أن ينتشر.
اللهم اجعل هذه الجمعة فرجًا للمكروبين، ورحمة للمستضعفين، وأمنًا للخائفين، ووحدةً للأمة، وسلامًا قائمًا على العدل والحق، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
التعليقات الأخيرة